مصادر دراسة الشعر النبطي
لا بد لأي أمة خلال انتقالها من أطوار الثقافة
الشفاهية إلى أطوار الثقافة الكتابية من الحرص على
تدوين ما يمكنها تدوينه من موروثات العصور
الشفهية. وقد تبدأ هذه العملية بجمع النصوص
العارية من الشروح والحواشي. وكلما تقدم الزمن
وارتخت الروابط بين ثقافة الماضي وثقافة الحاضر
ازدادت الحاجة لتفسير النصوص والتعليق عليها
وتوفير كل ما يمكن توفيره من معلومات تمنح القارئ
الخلفية اللغوية والثقافية اللازمة لفهم النصوص
وتمثلها واستحضار الأجواء التي كانت تؤدى فيها
والوظائف التي كانت تؤديها. وشيئا فشيئا ينمو هذا
الاهتمام ويترعرع ويصبح عملا متخصصا له فروعه
المتشعبة وله أطره النظرية وضوابطه المنهجية. ومع
تراكم المادة العلمية على مرور الزمن يصبح حصرها
وفرزها وتقييمها والتأريخ لها أمرا ملحا حتى يمكن
السيطرة عليها والاستفادة منها والتعامل معها
تعاملا رشيدا. هنا يقفز مستوى الخطاب من الحديث عن
المادة الأدبية الشفهية نفسها إلى الحديث عن
بيبليوغرافية المادة، أي الأعمال والجهود العلمية
التي بذلت لجمع المادة الأدبية ودراستها. هذا
المستوى من الخطاب يعنى بحصر وتقييم الأدوات
العلمية التي يتوسل بها الباحث والمفاتيح التي
يحتاج إليها للولوج إلى ميدان الأدب الشفهي وفهم
مادته. هذه الأدوات والمفاتيح هي ما نسميه المصادر
والمراجع، أو البيبليوغرافيا.
المصادر العربية
كان للمرحوم محمد بن عبدالله بن بليهد فضل الريادة
في التنبيه إلى أهمية الالتفات إلى الشعر النبطي
والاستفادة منه في الدراسات التاريخية والجغرافية.
يقول الشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل:
وكتاب الشيخ ابن بليهد كتاب رائد إلا أنه كحب
الشعير مأكول ومذموم.
ولقد مني بكثير من الجحدان والتنكر من قبل
المختصين لا يكادون يذكرونه إلا متعقبين، وما
وجدوا له من صالح دفنوا!!
فالفصل الجيد الذي كتبه عن المقارنة بين الشعر
العامي والشعر الفصيح تناهبه الدارسون ولم يعزه
إليه أحد منهم كابن خميس والزامل والكمالي.
وكلامه عن تموج القبائل في نجد أخذ في وضح النهار
ولم يسند إليه كلمة. وأغلب أصحاب المعجم الجغرافي
للبلاد العربية السعودية لا يذكرونه إلا متعقبين،
ولم يتركوا الرجل وشواهده من الشعر العامي بل
أغاروا عليها.
والفصل الذي كتبه الشيخ في المجاز عن تموج القبائل
إنما هو تلخيص جيد لما كتبه ابن بليهد. (ابن عقيل
1986، ج3: 137-138).
وكان ابن بليهد أول من تنبه إلى توظيف الشعر
النبطي كأحد المصادر المهمة في الأبحاث التاريخية
والجغرافية المتعلقة بجزيرة العرب وتقفى أثره في
ذلك الشيخ عبدالله بن خميس والشيخ محمد العبودي
والشيخ سعد بن جنيدل في الأجزاء التي ألفوها من
المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية
والذي نشرته دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر.
والشيخ ابن بليهد أول من عقد مقارنة بين الشعر
النبطي والشعر العربي استغرقت اثنتين وعشرين صفحة
بين فيها أوجه الشبه والارتباط بينهما. (1392، ج2:
189-210). ومن أمتع ما كتبه ابن بليهد وأعظمه
فائدة ما ذكره عن مناخات عتيبة ومطير وقحطان في
أوائل القرن الرابع عشر الهجري وعن عادات العرب
وقوانينهم في السلم والحرب وعن تموجات القبائل في
نجد منذ أواخر القرن التاسع الهجري. (1392، ج2:
111-132). وقد عول الكثير من الرواة والمؤرخين
فيما بعد على النصوص والشذرات التي أوردها ابن
بليهد.
وتزامن مع ظهور الطبعة الأولى من صحيح الأخبار
ظهور الديوان الذي جمعه خالد الفرج ونشره تحت
عنوان ديوان النبط: مجموعة من الشعر العامي في
نجد. ويعد هذا الديوان مثالا نموذجيا في جودة
التصنيف والتبويب والشرح والتعليق وحسن الاختيار،
وإن كان يغفل ذكر المناسبات التي قيلت فيها
القصائد. أما مقدمة الديوان فإنها علامة بارزة على
طريق البحث والتحقيق في مجال الشعر النبطي وإضافة
حقيقية إلى ما جاء به ابن بليهد. وتتضمن هذه
المقدمة الوافية عددا من الآراء التي تلقفها
المتأخرون فاقتبسوها ونموها وإن كان البعض منهم لم
يكلف نفسه عناء الاعتراف بفضل الفرج وسبقه. أما
مجموعة عبدالله بن خالد الحاتم خيار ما يلتقط
من الشعر النبط فإنها تتميز باحتوائها على بعض
النماذج من الشعر النبطي القديم. ومن المجاميع
التي تجدر الإشارة إليها لاحتوائها على قصائد ترجع
إلى العصور الفائتة مجموعة عبدالله اللويحان
روائع من الشعر النبطي ومجموعة مسعود بن سند
بن سيحان الـرشيدي التحفة الرشيدية في الأشعار
النبطية.
أما في مجال الدراسات المتخصصة فان كتاب الشيخ
عبدالله بن خميس الأدب الشعبي في جزيرة العرب
يظل مدخلا جيدا وعملا متميزا في هذا المضمار لا
غنى للباحث الجاد عنه. ولابن خميس أعمال أخرى
جليلة بذل فيها جهدا مشكورا في تدوين وتوثيق قصائد
من الشعر النبطي مثل كتابه عن الخلاوي وكتابه عن
أشعار العرضه وكتابه أحاديث السمر. أما
كتاب شفيق الكمالي الشعر عند البدو فإنه
يتضمن فوائد جمة وإضاءات لم يُـسبق إليها ويعتبر
رافدا جيدا ومتمما لكتاب ابن خميس الأدب الشعبي
في جزيرة العرب. ومن الدراسات الشمولية
المستفيضة عن الشعر النبطي، وخصوصا في دولة
الإمارات العربية ومنطقة الخليج، الدراسة التي
تقدم بها الدكتور غسان حسن أحمد الحسن لنيل درجة
الدكتوراه تحت عنوان الشعر النبطي في منطقة
الخليج والجزيرة العربية، ثم قام المجمع
الثقافي في دولة الإمارات بطباعة الدراسة في كتاب
يتألف من جزأين كبيرين. وتتطرق هذه الدراسة بالوصف
والتحليل وبشكل مفصل وموثق إلى العديد من قضايا
الشكل والمضمون في الشعر النبطي. وصدر مؤخرا لكاتب
هذه السطور عن دار الساقي بلندن كتاب يربو على 600
صفحة بعنوان الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة
النص يتناول بدايات الشعر النبطي وجذوره
الفصيحة ويحتوي على كم ضخم من القصائد النبطية
القديمة التي لم يسبق نشرها.
وقد صدرت للشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل سلسلة
تاريخ نجد في عصور العامية: ديوان الشعر العامي
بلهجة أهل نجد من خمسة أجزاء وتتجلى فيها قدرة
ابن عقيل وجلده على البحث والتقصي. كما يعول ابن
عقيل كثيرا على الشعر النبطي في سلسلة دراسات
ونصوص عن البيوتات العربية الحديثة والتي تقع
في أربعة أجزاء. وساهم ابن عقيل في إعداد كتاب قيم
عن أشعار الدواسر يحتوي على أشعار تاريخية وكتب له
مقدمة عظيمة الفائدة، والكتاب من جمع محبوب بن سعد
بن مدوس الفصام الدوسري. وأعمال ابن عقيل هي
البداية الحقيقية للبحث العلمي المنظم والجاد في
قضايا الشعر النبطي. ومن المحققين البارزين الذين
يعتمد عليهم، وخصوصا بالنسبة لشعراء عالية نجد،
الشيخ سعد بن جنيدل وله عدة مؤلفات قيمة في هذا
الموضوع. وله بالإضافة إلى الكتب المطبوعة تحقيقات
ومشاركات إعلامية بارزة. وتعد مؤلفات الشيخ سعد من
المصادر الأولية في مجال الدراسات الشعبية بشكل
عام. ومن الدراسات العلمية الرصينة كتاب الدكتور
عبدالله العتيبي دراسات في الشعر الشعبي
الكويتي. والكتاب عبارة عن مقالات في موضوع
الشعر الشعبي كتبها الدكتور العتيبي في فترات
متفاوتة ونشرها في أماكن متفرقة ثم جمعها فيما بعد
ونشرها في هذا الكتاب. ولا يفوتني أن أنوه بكتاب
الدكتور عبدالله الفوزان عن حميدان الشويعر، وكذلك
كتاب الأستاذ محمد بن عبدالله الحمدان عن حميدان
الشويعر أيضا.
ومن المجاميع المثالية في جودة الاختيار وجودة
الطباعة والإفاضة في الشرح الجزء الأول من مجموعة
شاعرات من البادية الذي أعده عبدالله بن رداس.
ومما يضيف إلى أهمية هذا الديوان المقدمة الممتعة
التي كتبها الشيخ حمد الجاسر يرد فيها على منير
العجلاني ويبين أهمية دراسة الشعر النبطي كمصدر
تاريخي وجغرافي. وفي الدواوين التي نشرها منديل
الفهيد في سلسلته من آدابنا الشعبية في الجزيرة
العربية يجد القارئ نماذج جيدة من أشعار شيوخ
البادية وفرسانهم. ولمنديل باع طولى في الرواية
وجهود مشكورة في التدوين والتوثيق غير أنه يعمد
أحيانا إلى تعديل صياغة بعض القصائد التي تحتوي
على معان لا تتلاءم مع الوضع السائد. ومما يؤخذ
على منديل أيضا عدم عنايته بدواوينه من حيث
الطباعة والإخراج وهي عارية من الشروح والتعليقات
ولا يكاد القارئ يفقه شيئا من المقدمات الركيكة
التي يضعها منديل لقصائده. وربما شارك ابن عقيل
منديلا اللوم في ذلك حيث تقع على عاتقه مسؤولية
الإشراف والإعداد لبعض هذه المجموعات.
أما كتاب أبطال من الصحراء للمرحوم محمد
الأحمد السديري فإنه لا يجارى في الجودة والإتقان
لا من حيث الطباعة والإخراج ولا من حيث ما يحتويه
من قصص وأشعار مليئة بمعاني الفروسية ومواقف
البطولة والرجولة. وكتاب قصة وأبيات الذي
أعده إبراهيم اليوسف يحظى بأهمية خاصة نظرا لطبيعة
المادة التي يتضمنها ولأن الدكتور عبدالعزيز
الخويطر كتب له مقدمة ضافية هي عبارة عن دراسة
نقدية فنية تبين مواطن جماليات الشعر النبطي. وكتب
الخويطر مقدمة مماثلة لديوان شعراء عنيزة
الشعبيون الذي أعده عبدالرحمن العقيل وسليمان
الهطلاني. وهاتان المقدمتان من أجمل ما كتب عن
الشعر النبطي من الناحية الأدبية. ومن المساهمات
التي تستحق الإشادة مجموعة فهد الرشيد شعراء
الرس النبطيون التي تحتوي على مجموعة لا بأس
بها من أشعار أهل الرس. ونشر الشاعر سليمان بن
محمد النقيدان ديوانا يحمل عنوان من شعراء
بريدة يتضمن بالإضافة إلى الأشعار أخبارا عن
بعض شعراء بريدة مثل محمد العلي العرفج والعوني لم
تنشر من قبل. كما أصدر حمود النافع مجموعة ضخمة
تقع في عدة أجزاء من شعر شعراء الزلفي. وظهرت
أخيرا سلسلة بعنوان الشعر النبطي في وادي الفقي
أعدها أحمد بن عبدالله الدامغ وتتضمن أشعارا
لشعراء من روضة سدير. كما أعد سعود بن عبدالرحمن
اليوسف كتابا عن شعراء أشيقر سماه أشيقر والشعر
العامي. ويحمل ديوان أشعار قديمة تنشر لأول
مرة الذي أصدره فايز موسى الحربي عددا من
القصائد التي لم يسبق نشرها. ومن دواوين القبائل
ديوان صور وأشعار بني رشيد جمعه ناصر بن
عياضة بن عجوين الرشيدي ويحتوي على العديد من
القصص والقصائد الجيدة والشيقة. ويجد القارئ مزيدا
من أشعار وسوالف بني رشيد في الدواوين التي أعدها
كل من نجا مفلح بنيان الرشيدي وحباب الرشيدي. كما
نشر محمد بن دخيل العصيمي ديوانا ضخما يقع في
جزأين جمع فيه ما استطاع جمعه من أشعار عتيبة
المتفرقة في ثنايا المصادر المنشورة. ومن له
اهتمام خاص بتاريخ قبيلة عنزة وأخبارها وأنسابها
وأدبها وأشهر مشائخها وفرسانها وشعرائها سوف يجد
بغيته في مؤلفات عبدالله بن عبار العنزي. وممن لهم
إسهامات ملحوظة في مجال المأثورات الشعبية وتحقيق
نصوص الشعر الشعبي ودراستها عبدالرحمن بن زيد
السويداء، وخصوصا سلسلته من شعراء الجبل
العاميين التي تتألف من ثلاثة أجزاء. تحتوي
أجزاء هذه السلسلة على أشعار من منطقة حائل من
أهمهم خلف أبو زويد وشايع بن مرداس الرمالي وعدوان
الهربيد. وتتميز أعمال السويداء بجودة الاختيار
والشروح الوافية. وللأستاذ أحمد فهد العلي العريفي
مجموعة من المصنفات المفيدة مثل كتابه عن رميزان
بن غشام وكتابه عن متشابه القصائد ومعجم الشعراء.
وفي كتابه بركات الشريف استطاع العريفي عن
طريق البحث والتقصي جلاء الغموض التاريخي الذي كان
يحيط بشخصية هذا الأمير الذي يحتل مكانة بارزة بين
شعراء النبط.
أما من تروق له المقطوعات الغنائية فسوف يستمتع
بقراءة المجموعات التي أعدها محمد الثميري
وعبدالله الدويش ومحمد الحمدان. ومن الألوان
المتميزة في الشعر النبطي ما يسمى شعر المحاورة أو
شعر الرد أو القلطة. وهناك عدد من الدواوين التي
تحتوي على نماذج جيدة من شعر القلطة مثل ديوان علي
أبو ماجد وديوان أحمد الناصر الشايع وديوان مطلق
بن حميد الثبيتي وديوان علي القري. وقد أعد مبارك
عمران السبيعي ديوانا من جزأين ضمنه عينات مختارة
من شعر القلطة.
ويبقى هناك العديد من الدواوين التي تحتوي على قصص
وقصائد نبطية جيدة لكنها تعاني من سوء الطباعة
وقلة العناية وعدم الدقة في الرواية مع التحيز
الواضح لقبيلة جامع الديوان. نذكر على سبيل المثال
المجموعات التي نشرها شاهر بن محسن الأصقه وفهد
الفردوس والاسمر الجويعان وابن عبار وغيرهم ممن
سيرد ذكرهم في القائمة البيبليوغرافية مثل مطلق بن
محمد البادي البراق العتيبي ومزيد الـسريحي وصالح
بن رباح الـمطلق وبجاد لهاب الـجش ومحمد الـعزب
ومشعل الـجبوري وعبدالعزيز بن سعد الـمطيري. هذا
ولن نتطرق لدواوين الشعراء المعاصرين لأنها خارج
نطاق البحث ولأنها أكثر من أن نحيط بها.
ومصادر دراسة الشعر النبطي لا تقتصر فقط على
الدواوين الشعرية أو الكتب والدراسات التي كتبت
تحديدا عن قضايا الشعر النبطي. بل إن طبيعة الشعر
النبطي ومضامينه وأغراضه ووظائفه الاجتماعية
والسياسية تتطلب من الباحث الرجوع إلى مصادر
تاريخية وجغرافية وإلى كتب اللغة والألفاظ العامية
وكل ما كتب عن الأدب الشعبي بجميع أجناسه وعن
الثقافة الشعبية والحياة التقليدية وحياة البادية
في العصور الفائتة وفي مختلف مناطق الجزيرة
العربية. وتشكل هذه المصادر على اختلافها أدوات
بحثية ضرورية تساعد الباحث على التعمق في إدراك
مضامين القصيدة النبطية وتفسيرها وتحليلها. وهناك
مصادر هي بمثابة نوافذ يطل منها الباحث على الماضي
ليستجلي صوره ويتمثله تمثلا صادقا يعينه على فهم
الشعر النبطي الذي يستمد صوره وأخيلته من ذلك
الواقع الذي ذهب مع الريح. والشعر النبطي رصد
لواقع الحياة في الماضي بجميع تجلياتها ومختلف
مظاهرها، وكلما تمعنا في تلك الحياة الدارسة
وأحطنا علما بجوانبها تعمق فهمنا للشعر النبطي.
فأنت مثلا حينما تقرأ أبياتا غزلية فلربما تصادف
مسميات لأنواع من الحلي والأزياء وأدوات الزينة
التي كانت تستخدمها النساء في الماضي لكنها انقرضت
وقل من يعرف عنها شيئا في وقتنا هذا. وفي
استطرادات التوجد والحنين تصادف مفردات تتعلق
بالسانية وأدواتها أو وسائل الغوص في البحر أو
غيرها من الممارسات التي لم تعد موجودة الآن.
والشاعر حينما يقطع الفلوات والبراري على راحلته
أو يبعث مندوبا ليبلغ رسالته إلى الشخص المعني ترد
في هذه الرحلة أسماء موارد ومواقع قل من يعرفها من
غير المختصين. ومن هنا فإن الباحث والناقد يلزمه
توسيع مداركه وتعميق ثقافته والاطلاع على كل ما له
صلة بحياة الأسلاف في كل منحى من مناحيها بحيث لا
تفوته شاردة ولا واردة.
من المصادر اللغوية المفيدة في فهم معاني ألفاظ
الشعر النبطي كتاب السويداء فصيح العامي في
شمال نجد وكتاب الدكتور عبدالعزيز بن محمد
الفيصل من غريب الألفاظ المستعمل في قلب جزيرة
العرب وكتاب عبدالكريم الحقيل ألفاظ دارجة
ومدلولاتها في الجزيرة العربية. ولا يفوتني أن
أنبه هنا إلى أن الباحث سوف يفيد فائدة عظيمة
بالرجوع إلى أمهات المعاجم العربية مثل الصحاح
للجوهري ولسان العرب المحيط لابن منظور
وتاج العروس للزبيدي والمخصص والمحكم
والمحيط الأعظم لابن سيده وذلك لأن مفردات
الشعر النبطي في غالبيتها مفردات عربية فصيحة
صحيحة. كما أن فهم الشعر الجاهلي وتذوقه واستشفاف
معانيه وصوره والانكباب على ماكتب فيه من دراسات
نقدية وأبحاث لغوية يساعد كثيرا على فهم الشعر
النبطي والتبحر فيه، والعكس صحيح أيضا.
ومن المصادر التي لا غنى للباحث عنها كتاب
السويداء نجد في الأمس القريب وأعماله
الأخرى، وكتاب القويعي تراث الأجداد، وكتاب
الساني والسانية لابن جنيدل، وكذلك
الكتيبات التي تصدر عن مهرجان الجنادرية السنوي عن
الحلي والأزياء الشعبية وغير ذلك من مظاهر الحياة
التقليدية. وسوف يجد القارئ شذرات وإضاءات ممتعة
عن حياة الأسلاف في سلسلة أي بني: مقارنة بين
ماضينا وحاضرنا التي أصدرها الدكتور عبدالعزيز
الخويطر في عدة أجزاء. كما صدر مؤخرا عن دار
الدائرة للنشر والتوثيق عملا موسوعيا من اثناعشر
مجلدا ضخما عنوانه الثقافة التقليدية في
المملكة العربية السعودية يتناول مختلف جوانب
الحياة التقليدية في المملكة.
ونظرا لارتباط الشعر النبطي بالتاريخ السياسي بوجه
عام والتاريخ القبلي والإقليمي بوجه خاص فإنه لا
مندوحة للباحث من الإلمام بالمصادر التي تتناول
هذه المواضيع مثل تاريخ ابن غنام وتاريخ ابن بشر
وتحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم
والجديد لمحمد بن عبدالله بن عبدالمحسن آل
عبدالقادر. ويحتوي كتاب خيرالدين الزركلي شبه
الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز على بعض
المعلومات القيمة عن فرسان بعض القبائل ومشائخها
وعاداتها. ومن المصادر التاريخية المهمة علماء
نجد خلال ستة قرون الذي ألفه الشيخ عبدالله بن
عبدالرحمن بن صالح البسام. كما قام الشيخ البسام
بجمع المخطوطات التاريخية المهمة المتعلقة بنجد
وأصدرها في عشر مجلدات تحت عنوان خزانة
التواريخ النجدية.
وبينما يتحفظ الكثيرون من مؤرخي نجد التقليديين
على توظيف الشعر النبطي كمادة تاريخية نلاحظ أن
مؤرخي القصيم لا يترددون في ذلك مثل ابن بسام في
مخطوطه تحفة المشتاق ومقبل الذكير في
مخطوطه مطالع السعود. ومن المتأخرين هناك
الدكتور محمد بن عبدالله بن سليمان السلمان في
كتابه الأحوال السياسية في القصيم في عهد
الدولة السعودية الثانية والدكتور عبدالله
العثيمين في كتابه نشأة إمارة آل رشيد.
وللأخير مقالة قيمة نشرها في مجلة العرب بعنوان
"الشعر النبطي كمصدر لتاريخ نجد". ومن المصادر
التاريخية المهمة التي هي أقرب إلى مفهوم التاريخ
الشعبي الشفهي مخطوطة عن حروب القصيم للشاعر
إبراهيم القاضي، ابن الشاعر المشهور محمد
العبدالله القاضي، ومخطوطة عن تاريخ نجد عنوانها
النجم اللامع للنوادر جامع أملاها محمد
العلي العبيد من أهالي عنيزة. هاتان المخطوطتان
تنحيان في السرد التاريخي منحى شفهيا قريبا من
أسلوب السوالف بما يتخللها من قصائد ترد كشواهد
تاريخية وكجزء متمم للسرد النثري الذي هو أشبه ما
يكون بتفسير للأبيات الشعرية ومقدمة للقصائد تعطي
المستمع الخلفية اللازمة لفهم الأبيات وتفصل
الأحداث الباعثة لها أو المترتبة عليها. ويحتوي
تاريخ العبيد على تفاصيل إثنوغرافية عن حياة
البادية وعن أنساب القبائل وحروبها. ومثل هذا
النبذة التي أملاها ضاري بن فهيد الرشيد على وديع
البستاني حينما كان يرقد مريضا في أحد مستشفيات
الهند ونشرتها دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر
تحت عنوان نبذة تاريخية عن نجد أملاها الأمير
ضاري بن فهيد الرشيد. ويتضمن كتاب ابن بليهد
صحيح الأخبار على نبذ في غاية الطرافة
والأهمية عن الأوضاع القبلية في نجد قبل قيام
الدولة السعودية الحديثة.
أما فيما يتعلق بالتاريخ القبلي والأنساب فهناك
كتابات الشيخ حمد الجاسر مثل معجم قبائل
المملكة العربية السعودية ومثل جمهرة أنساب
الأسر المتحضرة في نجد. وهناك كتاب المنتخب
في ذكر أنساب قبائل العرب لعبدالرحمن بن حمد
بن زيد المغيري وكتابات عاتق البلادي مثل نسب حرب
ومثل معجم قبائل الحجاز. هذا بالإضافة إلى
العديد من الكتب التي تتفاوت في جودتها وموضوعيتها
ودقة معلوماتها مثل ما كتبه ابن عبار العنزي عن
أنساب عنزة وكتاب كنز الأنساب ومجمع الآداب
لحمد الحقيل وكتاب الدكتور علي شواخ إسحاق الشعيبي
القشعم من كبريات القبائل العربية: دراسة
تاريخية اجتماعية أدبية وكتاب عبدالكريم بن
عبدالله المنيف الوهبي بنو خالد وعلاقتهم بنجد
وكتاب فهد المحمد الربيعان العرينات وكتاب
حمد الناصر آل وهيب معجم أسر بني تميم في
الحديث والقديم وكتاب عبدالله بن علي بن صقيه
بنو تميم في بلاد الجبلين. وهناك كتيب صغير
في حجمه عظيم في فائدته ويحتوي على عدد من القصائد
النبطية الجيدة أصدره عبدالرحمن العبدالكريم
العبيد بعنوان قبيلة العوازم: دراسة عن أصلها
ومجتمعها وديارها. ولا يفوتنا أن نذكر القارئ
بسلسلة ابن عقيل دراسات ونصوص عن البيوتات
العربية الحديثة والتي مر ذكرها. ومن المصادر
المفيدة فيما يتعلق بقبائل عنزة وشمر وقبائل شمال
الجزيرة عموما كتاب عباس العزاوي عشائر العراق
وكتاب أحمد وصفي زكريا عشائر الشام.
أما فيما يتعلق بالجانب الجغرافي فلن يجد الباحث
خيرا من صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من
الآثار للشيخ ابن بليهد وسلسلة المعجم
الجغرافي للبلاد العربية السعودية التي تصدر
عن دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر. ومن الكتب
التي تهمنا بوجه خاص في هذه السلسلة كتاب العبودي
عن القصيم وابن جنيدل عن عالية نجد وابن خميس عن
اليمامة. ولابن خميس مؤلفات أخرى عن أودية الجزيرة
وجبالها وعن اليمامة سنثبتها في قائمة المصادر.
ولابن جنيدل كتاب عن الجوف فيه استشهادات من الأدب
الشعبي والشعر النبطي. وهناك سلسلة هذه بلادنا
التي تصدر عن الرئاسة العامة لرعاية الشباب،
بالإضافة إلى كتب أخرى تخص بعض البلدان مثل كتاب
ابن خميس عن الدرعية والدكتور محمد بن سعد
الشويعرعن شقراء وغيرها كثير مما لا يخلو من بعض
الفائدة، وإن كانت بعض هذه الكتب تتسم بالاختصار
الشديد والضحالة، بل والإسفاف أحيانا. ولا تخلو
كتب الرحلات من الفائدة وخصوصا في تعرُّف بعض
المواقع والموارد وتحركات القبائل وتفرعاتها
وديارها وعاداتها مثل مرآة جزيرة العرب
لأيوب صبري باشا والرحلة الحجازية لمحمد
لبيب البتنوني وكتابات إبراهيم المسلم وعبدالعزيز
عبدالغني إبراهيم عن العقيلات.
والباحث المتعمق في قضايا الشعر النبطي لا بد وأن
يقوده البحث إلى جوانب أخرى من جوانب أدبنا الشعبي
على اختلاف أجناسه وكذلك الأدب الشعبي في مختلف
مناطق المملكة. ويمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى
الأعمال القيمة التي أتحفنا بها الأساتذة الأفاضل
عبد الكريم الجهيمان ومحمد بن ناصر العبودي وفهد
المارك ومحمد بن أحمد العقيلي وعاتق بن غيث
البلادي وغيرهم ممن سوف يرد ذكرهم في قائمة
المصادر.
ونظرا لتموجات القبائل وحركات الهجرة السكانية
والتمازج الاجتماعي وعمليات التبادل الثقافي
المكثفة بين وسط الجزيرة والمناطق المحيطة بها
شرقا وشمالا، فإن هناك إصدارات تتناول الأدب
الشعبي والثقافة التقليدية في بلدان الخليج
والعراق والشام يمكن أن يستفيد منها الباحث في
قضايا الشعر النبطي. ويستحيل حصر مثل هذه الأعمال
هنا لكنني أذكر من ضمن الكتب التي في مكتبتي كتاب
عبدالرحمن الحوراني التراث الشعبي في حوران
وكتاب روكس بن زائد العزيزي قاموس العادات
واللهجات والأوابد الأردنية وكتب أحمد عويدي
العبادي عن القضاء البدوي. ولا يفوتني أن أشيد
بكتابات الأستاذ سيف مرزوق الشملان من الكويت
وخصوصا ما يتعلق بموضوع الغوص وكذلك كتابات أيوب
حسين الأيوب وخصوصا كتابه مختارات شعبية من
اللهجة الكويتية. ومن الكتب المتميزة والتي
بذل فيها جهد واضح كتاب ناصر حسين العبودي
الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة
عمان وكتاب نجلة العزي كنوز متحف قطر
الوطني وخصوصا الجزء الثاني الذي يتحدث عن
الحلي الذهبية والفضية. وصدرت عن مركز التراث
الشعبي لدول الخليج العربية في الدوحة العديد من
الأعمال التي يمكن أن يفيد منها الباحث، وأخص
بالذكر مجلة المأثورات الشعبية. وبالإضافة
إلى هذه المجلة هناك مجلات أخرى سوف يعثر فيها
الباحث على مقالات تفيده في مجال الأدب الشعبي
والثقافة التقليدية مثل مجلة لغة العرب
ومجلة التراث الشعبي العراقيتين ومجلة
العرب التي يصدرها الشيخ حمد الجاسر.
المصادر الأجنبية
ننتقل الآن إلى الحديث عن جهود المستشرقين في مجال
جمع الشعر النبطي ودراسته، وهذا مصدر لا يستهان به
كما وكيفا. وأعمال المستشرقين في هذا الميدان
يمتزج فيها الجمع والشرح مع الدراسات الأدبية
واللغوية التي تشكل بدورها فرعا من الدراسات
الإثنولوجية بمفهومها الأعم. هذا يتطلب منا قدرا
من التوسع والانفتاح في بحثنا عن المصادر بحيث لا
نقتصر على تلك التي تعنى بتدوين نصوص الشعر فقط بل
علينا أن ننتقر كل ما يتعلق بلهجات الجزيرة وحياة
البادية وكتب الرحلات. مثل هذه المصادر وإن كان
أصحابها قصدوا منها أساسا أن تكون أبحاثا في علم
اللهجات العربية أو في اللغات السامية أو في
الاستكشافات الجغرافية وهلم جرا إلا أنها لا تخلو
أحيانا من بعض القصائد والأبيات النبطية
و"السوالف" التي ترد كشواهد أو كمادة خام. هذا
بالإضافة إلى أن مثل هذه المصادر في مجملها وعلى
عمومها تشكل أدوات البحث الأساسية التي لا غنى
للباحث الجاد عنها. والحقيقة أن المستشرقين لهم
إسهامات سباقة وجهود لا يستهان بها فيما يتعلق
بدراسة الشعر النبطي ولهجات الجزيرة العربية،
وخصوصا بين أبناء البادية وفي شمال الجزيرة
تحديدا. وحيث أن معظم هذه المصادر الأجنبية،
وخصوصا القديمة منها وما هو مكتوب بلغات أجنبية
غير الإنجليزية، غير متاحة للكثيرين من المهتمين
بالشعر النبطي في بلادنا فإننا سوف نتوسع بعض
الشيء في الحديث عما تتضمنه من نصوص وآراء.
أول من قام من المستشرقين بتدوين ودراسة نماذج من
الشعر النبطي هو جورج أوغست والين
Georg August Wallin
الذي جمع بعض القصائد أثناء إقامته في منطقة الجوف
عام 1845م وهو في طريقه إلى حائل مرورا بجبة. ولد
والين سنة 1811م في وطنه فنلندا التي كانت آنذاك
تحت سيطرة روسيا. وحيث أنه لم يكن يوجد بعد في
فنلندا لغة وطنية نشأ والين كغيره من سكان مقاطعته
يتكلم اللغة السويدية. وأبدى اهتماما مبكرا ببلاد
الشرق وشغفا بالصحراء وحياة البادية. وحصل على شيء
من الدعـم من جمعـية الجغرافيين الملكـية الروسـية
التي تأسـست عام 1945م في ســانت بيترسـبرج
St. Petersburg
ومن جمعية الجغرافيين الملكية في لندن. يعرف نجيب
العقيقي والين في الجزء الثالث من كتابه
المستشرقون قائلا:
ولد في جزائر آلاند غربي فنلندا، وتعلم في كليتها
وصنف كتاباً باللاتينية أسماه: أهم الفروق بين
لهجات العرب المتأخرين والمتقدمين. وفي سنة 1841
قصد روسيا، وتضلع في العربية على الشيخ محمد عياد
الطنطاوي في مدرسة الألسن، حتى آخر سنة 1842، ثم
رحل إلى الشرق فطوّف خلال ست سنوات بمصر وجزيرة
العرب وبغداد وأصبهان وبصرى ودمشق متزيياً بزي
البدو متطبعاً بطباعهم باسم عبد الولي -وقد نقشه
على حجر قبره بحروف عربية- حاملاً حقيبة مملؤة
بالعقاقير، فأحبته القبائل، ويسّرت له دراسة
عاداتها ولهجاتها، واستقصاء حالة بلادها الطبيعية
والجغرافية، ثم سكن لندن (1849-1850)، واشترك في
إعداد خريطة لبلاد العرب، وعين أستاذاً، فكان أول
من استقل بكرسي لها فيها، ثم سمي أستاذاً للعربية
في كلية هلسنكي، وأقبل عليه الطلاب، وأفادوا منه
حتى وفاته.
نشرت دار
Falcon-Oleander
كتيبا صغيرا عنوانه
Travels in Arabia
(1845-1848)
يتضمن التقارير التي سبق أن نشرها والين عن رحلاته
مع مقدمة كتبها
M. Trauts & W. R.
Mead
تحتوي على بعض المعلومات البيوغرافية عن حياة
والين. جاء في هذه المقدمة أن والين كتب في يناير
1851م بعد عودته من الجزيرة العربية حينما داهمه
برد الشتاء القاسي في وطنه فنلندا يعبر عن حنينه
إلى الصحراء " كم أتوق الآن أكثر من أي وقت مضى أن
استبدل مناخ وطني الثقيل الوطأة والحياة المرهقة
التي أنا مجبر عليها هنا (كأستاذ للعربية يدرس
الطلاب مبادئ الهجاء) . . . طموحي في هذه الحياة
أن أتمكن من العودة إلى الشرق وبالتحديد إلى
الصحراء العربية. يمكنني العودة هناك كرحالة
أوروبي لأستكشف علميا المناطق المجهولة في بلاد
العرب وأقدم نتائج أبحاثي للدوائر الأكاديمية في
العالم الغربي، وأخص بذلك الجمعيات العلمية في
لندن. أو لربما أذهب إلى هناك للاستجمام والترويح
عن النفس، للبحث عن ملاذٍ في فيافي الصحراء من
بيئة أوروبا الخانقة، لأجد السلام وراحة البال
بعيدا عن التفاهات والزيف والعجرفة التي اعتادها
الغربيون، لأعيش بدويا حرا ثم أموت وأدفن بين
أبناء البادية الأحرار". وفي رسالة أخرى وضح والين
أهدافه والتي كان من ضمنها توثيق ودراسة الآداب
والأعراف البدوية التي كان يرى أنها "ما زالت تحكم
حياة هؤلاء الباترياركيين
patriarchal
والتي لا تقل بأي حال في أهميتها وأصالتها عن
القوانين التي كان يحتكم إليها قدماء الغاليين
Gauls،
بل حتى تلك التي سادت بين أجدادنا القوطيين
Goths".
وفي ميله للغات الدارجة والآداب الشفهية كان والين
متأثرا أيما تأثر بجهود زملائه من الأكاديميين
والكتاب الفنلنديين الذين شمروا عن سواعدهم وجابوا
أرياف فنلندا وسهوبها بحثا عن الأغاني الشعبية
والتي استطاع إلياس لونروت
Elias Lonnrot
فيما بعد أن يؤلف منها ملحمة الكاليفالا
Kalevala.
ولهذا كان والين يتطلع إلى جمع "أدب البادية
الشعري المثير . . . الذي لا ينضب ولا يجارى في
ثرائه وجودته". ويختتم والين رسالته بهذه الفرضية
التي يقول فيها "يبدو أن الطبيعة اختارت هؤلاء
الأعراب الذين لم تحد فاقتهم من إنسانيتهم
وبساطتهم ليجددوا من وقت لآخر الدماء في عروق
الشعوب غير المتحضرة أو الشعوب التي أصابها الوهن
والتفسخ. من ناحية، نجد أن جدب أرضهم وشح مواردها
يحميهم من الانحدار والانحلال الذي عادة ما تؤول
إليه الأمم التي يتفشى فيها الغنى والنعيم. ومن
ناحية أخرى نرى هذه الفاقة تدفع بهم للهجرة وترك
بلادهم للبحث عن رغد العيش ويضخون تبعا لذلك دماء
جديدة قوية فيمن يحلون بين ظهرانيهم".
كان والين مضطرا للبحث عن جهات تمول رحلاته
الاستكشافية إلى الشرق وبلاد العرب وخصوصا
الجمعيات الجغرافية الملكية في إنجلترا وروسيا.
لكنه أيضا كان شديد الحرص على أن لا يعرف الشرقيون
عن هويته وأغراضه الحقيقية ومصدر تمويله حتى لا
ينكشف أمره ويعرض نفسه ومشاريعه للخطر إذا ما شك
المسؤولون في بلاد الشرق أن مهمته وأهدافه لها
أبعاد سياسية. فقد كتب إلى الدكتور نورتن شو
Norton Shaw،
أمين سر الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، يحذره
من إعطاء الأحاديث والإدلاء بالتصريحات عن رحلته
ومخططاته "لأنه لو حملت الأخبار أنني أباشر رحلتي
محفوفا بهذه الرعاية العظيمة من إنجلترا وروسيا
فمن المحتمل جدا أنه حالما أصل إلى القاهرة سيكون
لي شرف تلقي دعوة من عباس باشا لأتناول معه فنجانا
من القهوة والذي ربمايكون آخر شيء يدرج في حلقي".
أمضى والين السنتين الأخيرتين من حياته أستاذا
للغة العربية في جامعة هلسينكي وداهمته المنية سنة
1852م وهو في سن الواحدة والأربعين ولم يتمكن من
تحقيق طموحه في العودة إلى جزيرة العرب.
جمع والين عددا من القصائد أثناء إقامته في منطقة
الجوف عام 1845م ونشرها تباعا بترجماتها ودراسات
عنها في العددين الخامس والسادس من مجلة الجمعية
الألمانية للاستشراق
Zeitschrift der
Deutschen morgenlandischen Gessellschaft.
نشر والين هذه القصائد خلال الفترة 1851-1852م تحت
عنوان "عينات لأنثولوجيا قصائد عربية معاصرة جمعت
من البادية"
Probe aus einer Anthologie neuarabischer Gesange
in der Wuste gesammelt.
تضمنت هذه العينات ثماني قصائد يعرض كل منها على
النحو التالي. يبدأ بكتابة القصيدة بالأحرف
العربية ثم يكتبها كتابة صوتية مستخدما الرموز
اللاتينية وبعد ذلك يترجمها إلى الألمانية ويقدم
للترجمة بمعلومات عن الشاعر ومناسبة القصيدة وعن
الظروف التي جمع فيها نص القصيدة والشخص الذي
رواها له وينهي عرضه بدراسة لغوية مفصلة.
وقد قام إمام المسجد الذي يدعوه والين "الخطيب
الوهابي" بمساعدته في نسخ القصائد. ومن الواضح أن
والين والإمام الذي كتب له القصائد غير متمرسين في
التعامل مع الشعر النبطي وتذوقه، فالقصائد التي
دوناها تعاني من خلل في الوزن وفي طريقة التدوين
ويعاني بعضها من خلل في القافية؛ وهذا يعود، في
أغلب الظن، إلى عدم كفاءة الراوي سلمان الذي أخذ
عنه والين هذه القصائد. وفي الأسطر التالية التي
أستعرض فيها عمل والين سوف أعمد إلى تعديل الأبيات
التي أوردها من عمله وأكتبها حسب الرواية الصحيحة
المتداولة بين رواة الشعر النبطي ونقاده المتمرسين
أو حسب ما تقتضيه الرواية الصحيحة الواعية لهذا
الشعر.
القصيدة الأولى أملاها الشاعر بنفسه على والين
الذي ذكر أن اسمه مساعد وأشار إليه بأنه عبد من
عبيد الجوف. حينما وصل والين إلى الجوف وجد لهذه
القصيدة صدى واسعا ولاحظ كثرة تردادها على ألسنة
الرواة في المجالس وتغنيهم بها على الربابة مما
حدا به إلى البحث عن صاحبها لأخذها منه مباشرة.
وصل والين الجوف بعد أن أحكم عبدالله بن رشيد،
أمير حائل، قبضته عليها. وكانت قبل ذلك تتكون من
أحياء بينها عداء مستحكم وتعيش حالة خوف ونزاع لا
ينقطع. ويتحدث والين في مقدمته لهذه القصيدة والتي
تليها عن الوضع السياسي في الجوف. وهذه القصيدة
التي تتألف من اثني عشر بيتا قالها مساعد العبد من
حي خذما يخاطب بها داره ويعلن تفانيه في الدفاع
عنها. يقول مطلع القصيدة:
والله لو رادوك يادار ما اعطيك
// ياكود مارد نازلٍ للجزيره
والقصيدة الثانية تتألف من اثني عشر بيتا قالها
سالم العوض من أهل الجوف يمدح عبدالله بن رشيد
وأخاه عبيد على مساعدتهم لأهل حي خذما على أهل حي
الدلهمية. وقد ذكر الشيخ سعد بن جنيدل في كتابه عن
الجوف (1401: 118-119) طرفا من أخبار هذا النزاع.
يقول سالم في مطلع قصيدته:
ياراكبٍ من عندنا فوق عرماس //
يشدا ظليمٍ طالع الزول زايل
القصيدة الثالثة قالها نمر بن عدوان أمير قبيلة
العدوان التي كانت تقطن نقرة الشام أو حوران يرثي
زوجته وضحا من بني صخر. وأملاها على والين شخص
يدعى سلمان من سكان حي خذما في الجوف والذي يصف
والين بنيته بأنها قوية ويقول إن صحته جيدة على
الرغم من سنه التي تناهز الستين. وأكد سلمان
لوالين أنه كان تلميذا لنمر بن عدوان تعلم على يده
قرض الشعر وأن نمر هو الذي شجعه على قول الشعر
وأنه بعدما حفظ الكثير من أشعار نمر بدأ شيئا
فشيئا بقرض الشعر بنفسه ويدعي بأن لديه صندوقا
ملأه بقصائد نمر. ويذكر والين بأن وصوله إلى الجوف
سنة 1845م كان بعد وفاة نمر بسنوات قليلة. ويضيف
أن نمر كان شاعرا واسع الشهرة وأنه كان متعلما
وضليعا في استخدام المراجع الأدبية والقواميس التي
يستقي منها مفرداته الغريبة والجميلة التي يزين
بها أشعاره وأنه يدخل في قصائده مفردات من اللغة
الفارسية وغيرها من اللغات. (وأود هنا أن أسجل
تحفظي على ما ذكره والين وأستبعد أن يكون نمر على
هذه الدرجة من العلم ولربما يكون هذا جزءا من
النسيج الأسطوري الذي يحوكه الرواة منذ ذلك الحين
حول شخصية نمر. بل إنني في ريبة من أمر هذا الراوي
المسمى سلمان وأتردد في قبول ادعاءاته لأن القصائد
التي رواها عنه والين، سواء كانت من إنتاجه هو أو
من إنتاج "أستاذه" نمر ليست على المستوى المتوقع).
تتألف القصيدة التي أملاها سلمان على والين من
ثمانية عشر بيتا ومطلعها يقول:
ياخالقي بيجاه تسعٍ وتسعين //
حرفٍ وما بيهن نْطِق من لغات
والقصيدة التالية برواية سلمان لنمر أيضا يسندها
على ابنه حمود وبعث بها معه إلى وضحاء حينما
غاضبته وتركته وذهبت إلى أهلها. ويقول والين في
معرض حديثه عن وضحاء أنها من الأدب بحيث لا تدير
ظهرها إلى نمر حينما تنصرف من عنده وإنما تمشي على
الوراء حتى تتعداه وتبعد عنه. مجموع أبيات القصيدة
سبعة أبيات ويقول مطلعها:
ياحْمودٍ اركب يم هاك القبيله
// قل له ربيع بْلادنا مثل ما كان
(ويورد منديل الفهيد في الجزء الخامس من سلسلته
قصيدة لنمر "يخاطب فداويا عنده اسمه حمود" (ص ص
48-49) يبدو عليها شبه واضح من هذه التي يوردها
والين).
القصيدتان الخامسة والسادسة برواية سلمان وهما
قصيدتان متبادلتان بينه وبين شاعر آخر يدعى سكران
من أهل الرحيبيين بالجوف. يقول والين عن سكران إنه
شاعر فحل وراوية جيد وأنه سمعه مرة في الجوف ومرة
في حائل ينشد الأشعار دون توقف لمدة قد تزيد على
ساعة ونصف وكانت قصائده دائما تحظى بإعجاب
الجماهير الغفيرة من الحضور. وهو شاعر متعدد
المواهب يقول القصائد في كل موضوع وبعضها في المدح
وكان يحصل مقابل ذلك على هبات على شكل "بالطو" أو
"معطف" أو ما شابه ذلك. وغالبا ما ذهب سكران إلى
ابن رشيد في حائل ليمدحه بقصائده ويرجع من عنده
محملا بالهدايا. (هذا وقد عثرت في أحد مخطوطات
الشعر النبطي على ما يفيد أن عبيد بن رشيد بعث
مقطوعة من ستة أبيات لسكران ينصحه فيها مطلعها:
حي الكلام اللي بخطٍ لفاني //
من واحدٍ ما واهس القلب ناسيه)
وقد حاول سكران أن ينظم قصيدة في مدح والين، الذي
كان يمارس مهنة الطب بين أبناء البادية، عله يحصل
منه على هبة سخية لكن والين، على حد قوله، كان
بحاجة للعطف أكثر منه لقلة ذات اليد وكان يعيش على
كرم "معازيبه" من الشيوخ والأمراء وأجاويد العرب.
سبب القصيدتين هو أن سكران وسلمان وقعا معا في
غرام فتاة تدعى "سْـوَيّـر" دون أن يعلم أحدهما عن
الآخر. وبعدما اتضحت الأمور لكليهما حاول كل منهما
أن يتنازل عن الفتاة للآخر ولكنه في قرارة نفسه
يأمل أن يغلبه صاحبه في النبل والشمم ويتنازل عن
الفتاة لتكون من نصيبه هو. وفي النهاية تطير
الفتاة من أيديهما ويتزوجها شخص ثالث. يقول سكران
أربعة عشر بيتا يبدأها قائلا:
بالله ريّـض يااريش العين
أوصيك // كان انت ناوي يم خذما تروحِ
ويجيبه سلمان بتسعة أبيات فقط تختلف قافيتها عن
أبيات سكران مما يثير تساؤلات حول شاعرية سلمان.
يقول مطلع القصيدة:
ياراكبٍ حـرٍّ الى مد بكّر //
ياراكبه خذ لي خفيف الرساله
القطعة السابعة التي يوردها والين وتتألف من خمسة
أبيات مطلعها:
ياما حلا والشمس بادٍ شعقها //
تحديرة الزرقا على نقرة الجوف
يزعم والين أن القصيدة أطول من ذلك بكثير وأن
صاحبها، الذي نسي والين اسمه، رفض أن يرويها له
وأن الذي روى له هذه الأبيات الخمسة سلمان. ويقول
والين إن قائل هذه القصيدة شاب من أهل الجوف انتقل
مع أبويه إلى الكرك وكان يقوم بزيارة قصيرة إلى
الجوف أثناء وجود والين فيها. والقصيدة نشر منها
منديل الفهيد أربعة أبيات مع قصتها في الجزء الأول
من سلسلته ونسبها إلى ابن سراح (ص251). والبيت
الذي أورده والين ولم يورده منديل هو:
ان جوا هل العيرات تومي
عَلَقْها // متبشّرينٍ بالغدا حـقّـة الشوف
القصيدة الأخيرة مقطوعة قصيرة من ستة أبيات
التقطها والين من رواة قبيلة بلي حينما كان يتنقل
معهم وكانت تدور على ألسنة الجميع ويلهجون بها.
ويقول والين إن "معـزّبه" من بلي ذكر له أنه كان
مرة بصحبة رفيق له يدعى مِـشَـلّ في زيارة لأحد
شيوخ الفقرا (عنزة) وسمع أحد الحضور يتغنى بهذه
القصيدة على الربابة. ويردف والين أن بدويا من
قبيلة بشر رافقه في رحلته من تيماء إلى حايل أكد
له أن هذه أبيات قديمة قالها عقاب العواجي. (وهذه
المعلومة التي سجلها والين عام 1845م لو توافرت
لدينا قرائن ومعلومات مشابهة لها لساعدتنا في
تحديد الفترة التي عاش فيها عقاب العواجي وربما
تأريخ بعض الوقائع والمعارك التي حدثت بين
الجعافرة بقيادته وبين شمر). ويعتقد والين أن
القصيدة طويلة لكنه لم يتمكن من الحصول على أكثر
من ستة أبيات. وقد بلغت هذه القصيدة تسعة أبيات
عند الأسمر خلف الجويعان الذي نشرها في ديوانه
شاعر من نجد ونسبها إلى عقاب العواجي (ص 212).
يقول مطلع القصيدة:
ياشمعة الصبيان عمّر لنا البوز
// وامله من التتن الغويري وناسه
وعلى إثر أوغست والين يأتي قنصل بروسيا (ألمانيا
الشرقية) في دمشق يوهان جوتفريد فيتشتاين
Johann Gottfried
Wetzstein
الذي جمع بعض المخطوطات الشعرية بما فيها نص نثري
جمعه عام 1860م ونشره عام 1868م تحت عنوان "ملامح
لغوية من مضارب البادية السورية"
Sprachliches aus
den Zeltlagern der syrischen Wuste.
يبدأ فيتشتاين مقالته بالحديث عن والين والإشادة
بجهوده مع إبداء بعض الملاحظات عليها والتي يمكن
تلخصيها فيما يلي: ما نشره والين لا يمثل إلا جزءا
ضئيلا من المادة الشعرية المخطوطة التي جمّعها
أثناء إقامته في معان وتيما وحائل ودومة الجندل
ومشهد علي وعاد بها إلى أوروبا (ترى أين هذه
المادة المخطوطة؟). وكانت إقامة والين في حائل بعد
الحروب التي جرت بين حائل والقصيم والتي قيل فيها
قصائد كثيرة جمع والين بعضا منها. ويزعم فيتشتاين
أن تلك الفترة التي استتب فيها الأمر لابن رشيد في
حائل، وخصوصا بعد انتصاراته على "القصمان" التي
ألهبت حماس الشعراء، ازدهر الشعر كثيرا في جبل طي
وبشكل ليس له مثيل. والنماذج الشعرية التي نشرها
والين ليست بذات قيمة فنية كبيرة ومن المشكوك فيه
أنه كان يفهمها فهما جيدا. ويرجح فيتشتاين أن عدم
نشر والين للقصائد الأخرى هو أنه جمعها على شكل
مخطوطات عارية من الشروح والتعليقات لذلك فهو لا
يفهمها ولا يستطيع التعامل معها. ومع ذلك يعترف
فيتشتاين لوالين بشرف الريادة ويقر بأن النماذج
التي نشرها هي أول معلومات لغوية يتلقاها الغرب من
الصحراء العربية. إلا أنه يشير إلى أن الدكتور
بيرتش W.
Pertsch
أمين مكتبة جوتا
Gottha
ذكر له أن فون سيتزين
von Seetzen
أودع في مكتبة جوتا مجموعة خطية من القصائد التي
جلبها من شرق الأردن، وخصوصا من منطقة السلط
والبلقا حيث تلتقي البادية مع الحاضرة ويترعرع فن
الشعر. وكان سيتزين يجيد التحدث بالعربية لكنه لم
يكن متمكنا من القراءة والكتابة بها لذا لم تكن
تتوافر لديه الكفاءة لنشر القصائد التي جمعها ولا
دراستها. (وقد اطلع ألبرت سوسين
Albert Socin
على هذه المخطوطة وقال عنها إنها كتبت بعدة خطوط
وأنها سيئة جدا ولا تتضمن أي قصائد من نجد. كما
يؤكد سوسين الذي زار الشام وبلاد الرافدين بأنه لا
يوجد رواة جيدون في مناطق البلقا وحوران).
بعد هذه المقدمة يبدأ فيتشتاين بالحديث عن القطعة
النثرية "السالفة" التي دونها في مضارب قبيلة ولد
علي من عنزة وفي بيت عقيدهم صالح الطيار، حفيد
كنعان الطيار، من عجوز شراري كان يحل ويرحل مع هذه
القبيلة منذ ثلاثين عاما. يروي فيتشتاين أنه في
أواخر صيف 1860م جفت البحيرات القريبة من دمشق
بسبب قلة نزول الأمطار وتحولت في نهاية سبتمبر إلى
مراتع خصبة. وكانت تلك السنة سنة عجفاء بالنسبة
للبادية نفق فيها معظم حلالهم مما حدا بهم للقدوم
من بعيد وقريب إلى تلك البحيرات التي امتلأت في
شهر أكتوبر بالمخيمات والمواشي من مختلف القبائل
التي جاءت لترعى عشبها. وعلى الرغم من أن تلك
القبائل كانت في نزاع مستمر بعضها مع بعض ولسنين
طويلة إلا أنها اضطرت في تلك السنة إلى التصالح
والتعايش لتتمكن من الرعي في أحواض تلك البحيرات
التي تحولت إلى حقول خضراء (هذا يذكرنا بفيضة
الأديان التي قطنت عليها قبائل شمر وعنزة والظفير
وفيها تمكن ماجد الحثربي من الأخذ بثأره من مفوز
التجغيف). ويضيف فيتشتاين أن الفضول حدا به إلى
الذهاب هناك لمشاهدة ذلك التجمع القبلي الضخم الذي
شكل مشهدا عجيبا لافتا للنظر ومثيرا للدهشة. وفي
الثامن والعشرين من أكتوبر خرج من دمشق إلى حرّان
وفي التاسع والعشرين منه نزل ضيفا على صالح الطيار
في خيمته، حيث كان أولاد علي ضاربين خيامهم في
بحيرة عتيبة (اسم المكان وليس القبيلة المعروفة).
وهناك التقى بالشيخ الشراري الذي دون منه السالفة
إضافة إلى سوالف وقصائد أخرى منها قصيدة كنعان
الطيار وقصته مع بنت ابن طواله. ويقول فيتشتاين إن
شيخة أولاد علي في بيت ابن سمير بينما تحتفظ عائلة
الطيار بمركز العْـقاده، أي قيادة القبيلة في
الحروب والغزوات. كما يضيف أن قبيلة الشرارات
آنذاك تنتشر من تبوك إلى الجوف. لكن جدب منطقتهم
لا يسمح لهم بحياة رغيدة لذا يضطر الكثير من
رجالهم إلى ترك منطقتهم وقبيلتهم للعيش مع قبائل
عنزة والبلقا وحوران الذين يقدرونهم ويحترمونهم
لشجاعتهم ومهارتهم في استخدام السلاح وإجادتهم
الشعر. كما يتميزون بخفة الروح والظرف وطيب المعشر
في السفر. ينشر فيتشتاين السالفة التي تقع في سبع
عشرة صفحة مكتوبة بالأبجدية العربية ويتبع ذلك
بترجمة ألمانية وتعليقات لغوية وإثنولوجية لكنه لا
يكتبها بالأبجدية الصوتية اللاتينية.
والسالفة التي دونها فيتشتاين من الشراري لا يبدو
أنها قصة تاريخية وقعت فعلا لكن أجواءها واقعية
ولغتها بدوية، كما أنها مليئة بالعبارات الجميلة
والصور الشاعرية التي تعكس حياة البدو وذوقهم.
وهناك روايات أخرى للسالفه نشرها عبدالله بن عبار
العنزي في كتابه قطوف الأزهار (عنزي
1985:735-740). ملخص السالفة كما يوردها فيتشتاين
أن شمريا وخالديا جار عليهما الزمان وتنكر لهما
الأهل والأصحاب مما اضطر كلا منهما إلى الجلاء عن
قبيلته. وحينما ذهب الخالدي يرتاد مكانا لأهله
تقابل في إحدى الرياض المعشبة مع الشمري الذي كان
هناك لنفس الغرض. وبعد أن عرف كل منهما مأساة
الآخر اتفقا على الجوار والنزول معا في تلك الروضة
الخصبة. ولم يكن للشمري من الأولاد إلا بنت اسمها
حمدة أما الخالدي فله ابن واحد اسمه هبّاس
(وبالمناسبة فإن عزوة قبيلة بني خالد "أولاد
هبّاس" أو "أولاد هبس"). ولرغبة الخالدي في مجاورة
الشمري موّه عليه وقال له إنه مثله ليس له إلا بنت
اسمها حمدة أيضا، لأنه خاف لو علِـم الشمري بأن
عنده ولدا لما قبل مجاورته خوفا على بنته. وأمر
الخالدي ابنه هباس أن يتزيا بزي البنات ويتصرف مع
حمدة كما لو كان فتاة مثلها. لكن الحقيقة دوما لا
بد وأن تظهر. فقد صادف ذات يوم أن أغار قوم من
الغزاة على إبل الشمري والخالدي ونهبوها. ولما عجز
الأبوان عن استرداد الإبل اضطر هباس إلى أن يأخذ
سلاحه ويركب الفرس ويسترد الإبل. ولما علم الشمري
بحقيقة الأمر غاضب جاره الخالدي ورحل عنه. لكن
الحب كان قد تمكن من قلب حمدة وهباس وصار كل منهما
يحن إلى الآخر ويتحرق لرؤيته. وبعد مغامرات عديدة
ومعاناة طويله تتحقق الآمال ويلتئم الشمل ويقترن
هباس بحمدة. ونورد هنا بداية السالفة ونكتبها بنفس
الطريقة التي كتبها بها فيتشتاين:
وكان شيخ الخوالد رجالٍ الله منطيه ولا له كود
وليد صغير اسمه هباس وكانت العربان تتلي هالشيخ
وهو راعي شورٍ مليح لين شوره على الغزو من أين ما
ضربه الله يجيبه معه راس والسعد هاب له. ويوم راد
الله يهبّط به يالله عونتك وكان النحس يتولّصه لما
دعاه بلون راعي، وتفسْقَـلت عنه العربان وصارت ما
تشتهي تنزل حوله. وظهر واحد غيره راقصة له الدنيا
وسعوداته زينات يالله عونتك راكبته العرب بالمغزا
وبالرحيل والنزيل والشور والقول عنده. وهاذاك
الشيخ الأول صار الراعي عندهم له قيمة أزود منه،
وباقي عنده من حلاله فرس وراه مهرة ثنية ودرع
وجوزين رداني وسيفين ورمح وعندهم يلفي عشرين بعير
ولاكن حالته زرية بين ربعه وواسوه مسخرة، وكن قال
هالشيخ لحرمته ياحرمة أنا طابت نفسي من هالعربان
ومنازلهم حارمٍ عليّ فْلا أنزل ياغير ديرة ما
ينزله كل مودماني حتى ما اشوف احد ولا احد يشوفن.
وامر على حرمته تواسي له زهاب الدرب وبل له جود
ماء وشد على ذلوله وكرب عليه الحقب والبطان ونسف
عليه الخرج وعلق الجويد وشذب اليا هو بظهر ذلوله
ويممه نية الشرق. وقلط الله بالنهار ينطحه وبالليل
يمرح وثمانة أيام على الوجه الياما طب على هك
الروضة الّي متخالفٍ عشابه من رقيطة ومن الخافور
ومن البختري ومن المرار ومن النفل واشكالٍ ما
تنعرف. ونوخ ذلوله وعقله ولاكن الذلول تشبع من
مطواه وهاذا هو قاعد يمشي بوسط العشاب يوم بحر
اليا الفتيل مثل بصبوصة النار معلق، اليا هو
بواردي وثرات البواردي شايفنّه من بعيد وداغلنّه
يريد يقوّسه وكن شافوا بعضهم. وكن قال الخالدي الى
هاذاك: وش انت يازلمة؟ قال: أنا الى تشوفن، وانت
وش أنت؟ قال له: وانا الى تشوفن ولاكن أنا سياف
وانت بواردي وحق السياف مع البواردي حقا زري. قال:
وش جايبك لهالمكان؟ قال: والله ياولد ما جابن إلا
شوم الدهر. وكان هاذيك الساعة ترتخي إيده لأنه
صايبه ما صاب الخالدي. ونشّده من أيات القبائل أنت
قال له يارفيق الخير والله أنا خالدي على الشينة
وعلى الزينة. قال حق الله والقوم أنا شمري ولاكن
الخلا بين الاجواد حجاز أما عاد أنت أحك لي وش الي
موصلك لهالمكان. بدا يحكي له بكلّشٍ صار به من
الأول إلى التالي. وثرات الشمري صايبه ما صاب
الخالدي وجاي بعد يدور له على ديرة ماحد ينزل به
والله جمع هالثنين إلى هالمكان. وقامو هاذيك
الساعة كدّم على بعضهم البعض وتسالموا وباتم هك
الليله.
وهذا مقطع آخر من السالفة:
يوم من ذات الأيام سارحات البنات بالطرش ولن الله
سلط عليهن غزو وغار الغزو على البنات واخذوا
الطرش. قامن البنات يصيحن: الطرش وخذ ياهل الخيل.
سمعوا أبّاتهم الصياح شدوا على خيلهم وركبوا
ولحقوا الطرش حتى يفكوه والبنات يركضن وراهم.
وقالوا الشياب إلى القوم: العقلة ياأهل الخيل. قال
عقيدهم: عقّـبوا لهم قدر عشرة بعارين. فقالوا
الشياب: ما يجزينا عشرة. وقال العقيد: ومن شان
البنات النشامة عقبوا سته. وقالوا الشياب: ما
يقيّـمنا ترانا بدوٍّ خلاوي وديرة منقطعة ومسقّمين
على الله وعلى لبنهن والعذر لله وليكم ماش أحد
غيرنا حنا هاللي تشوفون وهالبنات وعجائز ثنتين لكل
واحد عجوز وجار علينا الزمان وعرباننا طشت عنا
وتدامـنّا هالمكان ولا لنا معاش غير الله ولبن
أباعرنا. قال واحد: وش عذرنا من طحّانات الزهاب
يوم لفينا نقول لهن كسبنا طرش وصنمه ثنين شيّاب
لحقونا وطلبوا العقلة وردينا لهم أباعرهم وحنا
متحزّمين عليها؟ هاذا ما يصير هالحكي والله ما لكم
عندنا غير هالحراب إن كان بكم خير هاذا حلالكم
قبال عيونكم والا نوخذ البنات بعد ونخلي الوحوش
توكلكم. يوم سمعوا الشياب هاذا الكلام قالوا:
الحملة على الله وانتم القالطين عليها، أنتم
مستعينين بكثر خيلكم وحنا مستعينين بالله. وعلقوا
الطراد ضلوا يطاردونهم من الضحا إلي العصر والشياب
ما جازوا الخيل والخيل ما جازوا الشياب ولاكن
الشياب تلفوا. يوم هباس شاف الشياب عدموا روح يركض
على البيوت وهو يركض قرّط المواعين ما خلا عليه
إلا طاق البيرمة. يوم قامت أمه تشد على المهرة
المرشحة وسففته العنان وطلعت السيف والرداني
والجوخة. جتها الشمرية وقالت: أنتي تشدين على
هالمهرة وين راعيه؟ قالت أم الولد ذلوان يلفي
وتشوفين بعينك. وهاذا هن يتحاكين والا الولد نافذ
عليهن يركض قامت أمه تزغرت إله. لفى ولبس الجوخة
وتحزم بالرداني والسيف وشقلب لنه بضهر مهرته وكان
يجيبه على مهله تهرّب برافق ألياما أقبل على حمدة
وكان يعرض عنده وينتخي: عيناك ياحمدة زغرتي لهباس.
قالت: ياخي وش هباس؟ قال: رفيقتك تراه هو ولد ما
هو بنت. قامت تعج الزغاريت مثل صهين المهار وقامت
تشوش والنخوة براسه. وقام لكد على الخيل وحمدة
نثرت شعره وراه وزغرتت له. وهو يقول: يابخت حمدة
بالقلائع. والشياب وقفوا لأنهم عدمانين. وانك
ياهباس تناطح انت وهك الخيال ضربه سيف أليا هو
قاطع راسه جاب فرسه لعند حمدة ربطه بايدها وقامت
حمدة تنخيه. ويركض عليهم ثاني مرة ويرمي ثلاثة
ويجيب خيلهم ويفك الطرش وباقي خيل القوم نارت
وروحوا هاذول مبسوطين.
وفي العقد الثامن من القرن التاسع عشر كان ألبرت
سوسين Albert
Socin
يتجول في الشام وبلاد الرافدين ويقوم بجمع الشعر
من البلقا وحوران ودمشق وحلب وبغداد وسوق الشيوخ،
وحتى من ماردين على الحدود السورية التركية. ونشر
حصيلته الضخمة عام 1900م والتي هي بمثابة أول
ديوان يطبع في الشعر النبطي مع ترجمات ودراسات
لغوية وإثنولوجية مفصلة ويقع الكتاب في حوالي
ثمانمائة صفحة ويتضمن مائة وإثني عشر قصيدة. قابل
سوسين في طريقه من دمشق إلى بغداد حملة من تجار
العقيلات الذين أرشدوه في بغداد إلى مهاجر من
أهالي بريدة اسمه محمد ويلقب بالأفندي لأنه يجيد
القراءة والكتابة. وأملى محمد على سوسين الكثير من
القصائد التي كان يحفظها عن ظهر قلب. وقابل سوسين
شخصا من مدينة عنيزة اسمه مسفر كتب عنه بعض
القصائد لكن روايته لم تكن بجودة رواية محمد.
ومحمد الحساوي من الأحساء هو الراوية الثالث الذي
قابله سوسين في سوق الشيوخ ووصفه بالغباء وعدم
الفهم لكنه اكتتب منه بعض القصائد واشترى منه
ديوانا مخطوطا يحتوي على الكثير من القصائد. وفي
ماردين جمع سوسين بعض النصوص الركيكة من فلاح قال
له إنه من قبيلة طي. ويقول سوسين إنه رأى الكثير
من مخطوطات الشعر النبطي، من ضمنها ديوان نمر بن
عدوان.
وفي سنة 1919م نشر كارلو دي لاندبرج
Carlo de Landberg
ثلاث سوالف بقصائدها جمعها أثناء تجواله في منطقة
حوران. ويشير لاندبرج إلى أنه جمع السالفة الأولى
والثالثة من فلاح مسيحي يدعى موسى رارا من أهالي
قرية خبب التي تقع في حوران. والغريب أن لاندبرج
يدعي أن موسى هذا أكد له أنه هو الذي أملى على
فيتشتاين في دمشق السالفة التي أوردنا طرفا منها
أعلاه وأن فيتشتاين لم يذهب بتاتا إلى مضارب قبيلة
ولد علي كما يدعي. السالفة الأولى التي يوردها
لاندبرج سالفة ماجد الحثربي مع قصيدته التي مطلعها
حسب هذه الرواية "ياعمرو يامشكاي يافرحتي شوف"
ومجموع أبياتها سبعة عشر بيتا. لكن السالفة كما
أوردها لاندبرج تختلف كلية عما هو متداول بين
الرواة في نجد وشمال الجزيرة العربية. كما تختلف
أيضا رواية السالفة الثالثة التي تتحدث عن سعدون
العواجي وما جرى له مع شامخ عن تلك التي أوردها
محمد بن أحمد السديري في كتابه أبطال من الصحراء.
نجد مثلا أن مزعل العواجي في هذه الرواية يصبح
ابنا لسعدون وأن مسلط (التمياط) يصبح من العواجية
وهو الذي يضطهد سعدون يساعده في ذلك ابن عمه شامخ
(كذا). وقصيدة سعدون التي يوجهها لمسلط التمياط
ويبدأها بقوله "ياراكب اللي ما لهجها الجنينا"
تنسب لعقاب الذي يوجهها في هذه الرواية لأبيه.
وتتضمن السالفة أيضا قصيدة سعدون التي مطلعها
"ياراكبٍ من عندنا فوق مهذاب// زواع قطاع الفيافي
إلى انويت" وقصيدة ذكر العواجية التي مطلعها
"ياغوش ياللي فوق حيل هفاهيف// ليهن بكم عقب
المسير اجتوالِ" مع اختلاف واضح بين هذه الرواية
وما هو متداول بين الرواة في نجد وشمال الجزيرة.
كما يورد لاندبرج سالفة عن شيخ من شيوخ البادية
يسمى الحياري وانتصاره على الدالي موسى الذي
أرسلته الدولة العثمانية للقضاء عليه. وبعد
انتصاره على الدالي يقول الحياري قصيدة من ثمانية
عشر بيتا يبدأها بقوله "يقول الحياري الذي شاع
ذكره// وحمد الفتى قبل الفعال ضلال". وعلى الرغم
مما أوردناه من ملاحظات على هذه الروايات وصحتها
التاريخية إلا أن صياغتها جيدة وأسلوبها جميل
ولغتها قريبة جدا من لغة البدو وطريقتهم في السرد
والرواية.
في عام 1908م بدأ ألاويس موزيل
Alois Musil
رحلاته الاستكشافية في شمال الجزيرة العربية.
وأمضى بعض الوقت يحل ويرحل مع قبيلة الرولة تحت
حماية الشيخ نوري بن شعلان وتسمى باسم موسى
الرويلي. وموزيل تشيكوسلوفاكي الأصل وشغل منصب
أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة تشارلز في براغ.
ونشر نتائج أبحاثه في سلسلة من الكتب باللغة
الألمانية التي ترجمت فيما بعد إلى الإنجليزية،
ومن أهمها كتابه عن قبيلة الرولة الذي نشر
بالإنجليزية عام 1928م. ويحتوي هذا الكتاب على كم
وافر من السوالف والقصائد والأحديات ويزخر
بالمعلومات الثرية عن حياة البدو. ومن الذين
استعان بهم موزيل في الحصول على مادة كتابه الشيخ
النوري بن شعلان وكاتبه جواد أبو علي العاني وعبده
حمار أبو عواد وكذلك عوده أبو بركان الكويكبي
ومنديل القطعي ومحمد القضيب وعبدالله المطرود
وكلهم من الرولة، بالإضافة إلى بليهان بن إبراهيم
بن داغر بن ضري بن مصرب من القمصة من السبعة.
(ومنديل القطعي الذي ذكره موزيل يرد اسمه في
السوالف التي جمعتها أنا من رواة شمر خلال الفترة
1403-1405هـ). وقد سبق أنني قمت بجمع جميع
الأحديات التي بثها موزيل في كتاب الرولة ونقلتها
إلى العربية ونشرتها تحت عنوان حداء الخيل وقدمت
لهذا الكتيب بمقدمة تلخص محتويات كتاب الرولة.
والآن أصبحت الفصول الأولى من كتاب الرولة متاحة
لقراء العربية بفضل الترجمة التي أعدها الدكتور
محمد السديس. ومن يريد مزيدا من نماذج أحادي الخيل
يمكنه الاطلاع على العمل الذي نشره أحمد العريفي
في هذا الموضوع.
ومنذ بداية القرن العشرين استحوذت قبيلة الرولة
على اهتمام الرحالة الأجانب فكتبوا عنها كتبا
مطولة ومفصلة منها بالإضافة إلى كتاب موزيل كتاب
نشره كارل رسوان
Carl Raswan
سنة 1935م تحت عنوان
The Black Tents of
Arabia
وهو مزود بالصور المعبرة منها صورة للشيخ النوري
بن شعلان وحفيده فواز بن نواف وصور أخرى عن حياة
الرولة في حلهم وترحالهم وفي حالات السلم والحرب.
وفي عام 1981م نشر ويليام لانكاستر
William Lancaster
كتابا بعنوان
The Rwala Bedouin
Today
وهو دراسة أنثروبولوجية لقبيلة الرولة وما طرأ
عليها من تغيرات في وقتنا الحاضر.
وفي الثلاثينات من هذا القرن الميلادي نشر روبرت
مونتان
Robert Montagne
بعض السوالف والقصائد التي دونها من رواة شمر
الجزيرة. اثنتان من هذه السوالف والقصائد تتعلقان
بحياة شايع الامسح ومغامراته، والبقية تتألف من ست
عشرة سالفة بقصائدها جمع العشر الأولى منها من
هليّل العلوان من عبدة وجمع الخمس التي تليها من
محمد الخشان من الخرصة والأخيرة جمعها من قبيلة
طي. وهذه قائمة بعناوين السوالف الست عشرة كما
أوردها مونتان:
1/ سالفة بهيج بعقده.
2/ سالفة الهذال عبدالعزيز وعبدالله ابن عمٍّ له.
3/ سالفة مطلق الجربا بنجد.
4/ سالفة لابن سعود يخطب بنت لابن قرمله، شيخ
قحطان.
5/ سالفة عقاب وحجاب.
6/ سالفة ابن رشيد يتثارا بهايس.
7/ ساجر الرفدي قوماني على محمد بن رشيد.
8/ سالفة حزير الرعوجي عاشق بنت عمه حروه.
9/ سالفة جدعان بن مهيد غزا على شمر.
10/ سالفة الدقيس، ابن سويط عاشقه.
11/ كنعان الطيار عند مطلق الجربا.
12/ صفوق بديرة العراق.
13/ مطلق بنجد.
14/ صفوق وحمود العامر ابن اخيّّه.
15/ سالفة محسن الهزاني.
16/ سالفة الموالي وطي بالجزيرة.
والقيمة الأدبية لهذه السوالف ضعيفة جدا ويبدو أن
الرواة الذين أخذ عنهم مونتان ليسوا على المستوى
المطلوب. وواضح من عناوين هذه السوالف أنها من
الأدب المتداول عندنا في نجد لكن الروايات النجدية
حسب ما سمعتها وجمعت بعضا منها بنفسي من مصادر
شفهية أفضل من هذه بكثير.
وفي عام 1938م نشر المستشرق الألماني ج ج هس
J. J. Hess
كتيبا يحتوي على حكايات وقصائد وعادات وتقاليد
البدو في قلب الجزيرة العربية. يحتوي الكتاب على
مواد لغوية وإثنوغرافية وأدبية ومعلومات أخرى تلقي
بعض الضوء على حياة البادية. استقى هس مادته
مشافهة من اثنين من البدو الذين التقى بهما في
القاهرة أحدهما عتيبي اسمه موهق بن عايض بن عجاج
الغنامي والآخر قحطاني اسمه مسفر. ويمتدح هس موهق
ويشيد بفصاحته وبراعته في السرد والرواية وقدرته
على توصيل المعلومات وتفسيرها، ويقول إنه أمضى معه
قرابة خمس سنوات في القاهرة تعلم منه خلالها كل ما
يعرفه عن لهجة عتيبة وعاداتها وتقاليدها. عمل موهق
مع محمد البسام، الذي يعد من أكبر تجار عقيل، في
جلب الإبل إلى مصر والشام. وخلال عمله مع ابن بسام
تردد موهق على القاهرة وعرفها جيدا. وخلال الحرب
العالمية الأولى عمل جنديا في جيش الشريف حسين.
وبعد فتح الحجاز واشتداد وطأة الإخوان فضل موهق
الانتقال إلى مصر عام 1930م والإقامة هناك حيث عمل
خفيرا في عزبة عزيز عزة باشا. ومن المؤسف أن
القصائد القليلة التي يتضمنها كتاب هس ترد
بالترجمة الألمانية دون الكتابة الصوتية أو الأصل
العربي.
وبعد ذلك مرت فترة فترت فيها الجهود الاستشراقية
في مجال جمع ودراسة الشعر النبطي وإن كانت نشطت
بشكل ملحوظ فيما يتعلق بدراسة اللهجات وهذا ما سوف
نتطرق له لاحقا. وسبق أن ألمحنا إلى أن فنلندا،
على يد أوغست والين، لها فضل السبق والريادة من
حيث الاهتمام الأكاديمي بالشعر النبطي. وفي
السبعينات من هذا القرن تعود فنلندا مرة أخرى على
يد البروفسور هايكي بالفا
Heikki Palva
من جامعة هلسنكي لتحتل مركز الصدارة في هذا
المجال. والبروفسور بالفا عالم مرموق في مجال
الدراسات اللغوية والأسلوبية، وخصوصا دراسة اللغات
السامية واللهجات العربية وأسلوب الرواية الشفهية،
ومؤلفاته في هذا المجال أكثر مما يفسح المجال
بحصره هنا. وتتركز اهتماماته على دراسة لهجات
بادية الأردن مثل الحويطات والعجارمة وبني صخر
ومناطق السلط والبلقا وحصبان. ونشر بالفا مقالة عن
قضايا الوزن في الشعر البدوي من وجهة النظر
اللغوية.
ولا تخلو دراسات بالفا اللغوية من النفس الأدبي
نظرا لطبيعة المادة التي يتعامل معها والتي تتألف
معظمها من سوالف وقصائد شفهية يسجلها من الرواة
أثناء وجوده بين أهل المناطق والقبائل المذكورة.
ودراسات بالفا عظيمة الفائدة من الناحية اللغوية
والأسلوبية، لكنها قد تكون أقل قيمة من الناحية
الأدبية بالنسبة للمهتمين بالشعر النبطي. من يقرأ
السوالف والقصائد التي يوردها في دراساته لا
يخامره أدنى شك في أن منشأها من نجد ومن القبائل
التي تقطن شمال الجزيرة العربية. لكنها أثناء
هجرتها إلى الأردن وفلسطين تصبح على ألسنة الرواة
من الفلاحين هناك مختلفة اختلافا واضحا عن الأصل
المتداول في نجد، وتطرأ عليها تحولات جذرية لا من
حيث اللغة ولا من حيث المضمون، لدرجة أن القصائد
تختل أوزانها وتفقد الكثير من نسيجها الشعري
ورونقها الفني. وأشك أن أصحاب النظر والمتذوقين
لهذا اللون من الأدب من أهالي نجد والبادية
سيستسيغون هذه النماذج ويستمتعون بها لو ألقيت على
مسامعهم. ومرد ذلك إلى التباين اللغوي والثقافي
بين البيئة الأصلية التي نشأ فيها هذا اللون من
الأدب وبين بيئة الفلاحين التي جمع منها بالفا
مادته. وقد لا تكون العينات التي جمعها بالفا على
المستوى المطلوب من الناحية الأدبية لكنها مع ذلك
تبقى أفضل بكثير من السوالف والقصائد التي جمعها
هـ. هـ. سبور
H. H. Spoer
مع زميله إلياس نصرالله حداد من جنوب فلسطين وشرق
الأردن والمنسوبة على حد قولهما لنمر بن عدوان.
وتساؤلنا حول القيمة الفنية لهذه النماذج لا يضير
الباحث في شيء. والقيمة الفنية على كل حال ليست هي
التي تحدد القيمة العلمية للمادة ولا أهمية
النتائج التي تتمخض عن دراستها لأن الأساس الذي
تقوم عليه فلسفة العلم هو أن أي شيء وكل شيء قابل
للدراسة، والهدف الأساسي الذي يرمي إليه بالفا
وكذلك سبور هو هدف لغوي قبل أن يكون هدفا أدبيا أو
فنيا، والنتائج التي توصلا إليها في هذا الصدد
مهمة جدا. أما من حيث الدراسات الأدبية المقارنة
فإن المادة التي جمعها هذان الباحثان تفيدنا في
رصد التحولات التي تطرأ على السوالف والقصائد شكلا
ومضمونا حينما تهاجر من موطنها الأصلي إلى بيئة
غريبة عنها لغويا وثقافيا والأسباب التي تساهم في
تحول هذا الأدب من مادة تاريخية إلى مادة أسطورية.
ومن المستشرقين المعاصرين الذين عنوا بجمع نصوص من
الأشعار والسوالف البدوية من مصادرها الشفهية
ودراستها دراسة لغوية بروس إنغام
Bruce Ingham
من جامعة لندن. نشر إنغام في عام 1986م كتابا من
مائة وخمس وثلاثين صفحة عن قبيلة الظفير وتاريخها
مع دراسة لغوية. وفي هذه الدراسة يورد إنغام أربع
عشرة سالفة بقصائدها استقى أكثرها من نايف بن حمود
بن سويط والباقي من محمد بن سعدون بن سويط ومهدي
بن دغيّم القاسمي ومطني بن مجوي الخالدي. وكل هذه
السوالف والقصائد تدور حول تاريخ قبيلة السويط
وأفعالها في العصور السابقة. هذا وقد صدرت ترجمة
عربية لكتاب إنغام عن الظفير قام بها عطية بن كريم
الظفيري (إنغام 1995). ومن المقالات الممتعة
والمفيدة التي نشرها إنغام مقالة له عن المصطلحات
الخاصة بالإبل عند قبيلة المرة، وله مقالة أخرى عن
"السالفة" كجنس أدبي.
ومن المصادر المفيدة في دراسة شعر البادية أعمال
الباحث الإسرائيلي كلينتون بيلي
Clinton Bailey
الذي أمضى حوالي عشرين عاما في دراسة أحوال بادية
سيناء وصحراء النقب ونشر العديد من المقالات
وكتابا بعنوان
Bedouin Poetry from
Sinai and the Negev
يحتوي الكثير من القصائد التي جمعها من الرواة
والشعراء البدو ونشرها بنصوصها العربية مع ترجمات
إنجليزية. وتتسم أعمال بيلي بالنزعة الإثنولوجية
حيث أنه يركز على النواحي الثقافية والاجتماعية
والتاريخية ويلجأ إلى الشعر للحصول على معلومات من
هذا القبيل. ويؤخذ على بيلي ضعف الجانب اللغوي في
أبحاثه حيث من الواضح أن تأهيله في العلوم
اللسانية يعاني من القصور وهو لا يجيد لغة البدو
إجادة تسمح له بفهم أشعارهم وتذوقها على الوجه
الصحيح. ومع ذلك تبقى مؤلفات بيلي من المراجع
المهمة عن شعر بادية سيناء وصحراء النقب.
ومن الملاحظ أن الدراسات اللغوية تحتل مركز
الصدارة في معظم جهود المستشرقين التي استعرضناها
حتى الآن. وجمع نصوص القصائد النبطية والسوالف
البدوية وتحليلها بالنسبة لهؤلاء المستشرقين الذين
تحدثنا عنهم ليس أمرا مطلوبا لذاته وإنما هو يأتي
كحاشية لاهتمامات أخرى أشمل وأعم مثل دراسة
اللهجات العربية واللغات السامية والدراسات
التوراتية. والقليل من هؤلاء له اهتمام مثلا
بالدراسات الشعبية أو الأنثروبولوجية أو الدراسات
الأدبية المقارنة. بل إن البعض منهم، مثل ألبرت
سوسين، يثير الشكوك والتساؤلات حول القيمة الفنية
والجمالية لهذا الأدب ويتعامل معه باستعلاء شديد.
وبدون التقليل من أهمية هذه الدراسات وقيمتها
العلمية فإنه لا يوجد بينها ما يصلح في نظري كمدخل
أدبي جيد للشعر النبطي يبرز خصائصه الفنية وسماته
الجمالية. هذا المدخل الأدبي مفقود في جميع هذه
الأعمال ولا يتوافر إلا في كتابات المستشرق
الهولندي المعاصر مارسيل كوربرسهوك
Marcel Kurpershoek.
انصب اهتمام كوربرسهوك في بداية حياته العلمية على
الأدب العربي المعاصر، وخصوصا فن الرواية والقصة،
وكتب رسالته للدكتوراه عن يوسف إدريس. وبعد أن عين
موظفا في السفارة الهولندية بالرياض بدأ اهتمامه
بلهجة نجد والشعر النبطي. وطوال السنين التي
أمضاها في عمله بالسفارة كان دؤوبا على مجالسة
الرواة والشعراء النبطيين البارزين وقراءة
الدواوين الشعرية المطبوعة وكل ما يتعلق بالشعر
النبطي من مصادر تاريخية وجغرافية حتى أصبح يفهم
هذا الشعر ويتذوقه ويتحسس مواطن الجمال فيه
والإبداع بشكل يفوق جميع من سبقه من المستشرقين.
ثم صار يشد الرحال إلى البادية ويمضي الأسابيع
والأشهر يجوب الفلوات حتى سبر حياة البدو وتمثل
قيمهم واستوعب طرائقهم في السلوك والتفكير
والتعبير.
نشر كوربرسهوك العديد من الدراسات والمقالات عن
الشعر النبطي باللغات العربية والهولندية
والإنجليزية. ومن أهم أعماله كتابان؛ الأول صدر
عام 1994م ومجموع صفحاته 368 صفحة وهو عبارة عن
جمع ودراسة لأخبار وأشعار الشاعر عبدالله بن محمد
بن حزيّم الدوسري الملقب الدندان من الحرارشة من
الرجبان جمعها من الشاعر نفسه أثناء تجواله معه في
بادية وادي الدواسر. والآخر صدر عام 1995م ومجموع
صفحاته 510 صفحات وهو جمع ودراسة لأخبار وأشعار
الفارس شليويح بن ماعز العطاوي وأخيه بخيت جمعها
مشافهة من خالد بن مشعان بن فاجر بن شليويح
العطاوي أمير مركز عبلا قرب عفيف. وتتميز دراسات
مارسيل بالدقة العلمية والعمق والشمولية والفهم
الواعي والسليم لمعاني الشعر النبطي ولغته وصوره
وأساليبه الفنية.
ولكاتب هذه السطور عملان الأول نشرته جامعة
كاليفورنيا سنة 1985م وهو عبارة عن مقدمة عامة عن
الشعر النبطي تطرقت فيه لمواضيع عديدة منها أوزان
الشعر النبطي ولغته وعلاقته بالشعر الجاهلي ونظرية
الصياغة الشفهية ومدى انطباقها على الشعر العربي.
والكتاب الآخر نشرته دار هاراسوتز
Harrassowitz
في ألمانيا سنة 1992م وهو عبارة عن دراسة لغوية
وإثنولوجية لسالفة طويلة بلهجة شمر تتخللها بعض
القصائد وتدور حول مغازي هذلول الشويهري من السويد
من شمر على الشرارات وعنزة وكيف قبض عليه عقاب
العواجي وقتله وكيف غزا هايس القعيط من العراق على
الجعافرة في نجد وقتل عقابا وأخاه حجابا ثأرا
لمقتل هذلول. هذا بالإضافة إلى ثلاث مقالات نشرتها
باللغة الإنجليزية في دوريات أجنبية إحداها عن
أوزان الشعر النبطي وأخرى عبارة عن تحليل وترجمة
لقصيدة والسالفة المتعلقة بها والأخيرة مقالة
نشرتها عام 1989 في مجلة
Oral Tradition
عن المحاورات الشعرية أو ما يسمى شعر القلطة. وفي
دراستنا لهذا اللون الشعري ومقارنته بما يماثله في
البلدان العربية الأخرى يمكن الاستفادة من مقالتين
نشرتا باللغة الإنجليزية إحداهما كتبها عدنان حيدرAdnan
Haydar
عن شعر المحاورة في لبنان، ويسمونه الزجل، والأخرى
كتبها ضرغام سبيت
Dirgham H Sbait
عن شعر المحاورة في فلسطين.
وهناك عملان مهمان لابد من الإشارة لهما ولو
باقتضاب وإن كانا يقعان جغرافيا وثقافيا على هامش
دائرة الشعر النبطي. هذان العملان هما دراسة ليلى
أبو لغد Lila
Abu Lughod
عن أشعار نساء قبيلة ولد علي في صحراء مصر الغربية
ودراسة ستيف كيتون
Steve C. Caton
عن شعر قبائل بكيل في منطقة خولان الطيال شرق
اليمن. أرى أن هذان العملان يمثلان نموذجا ممتازا
في تطبيق المقترب النقدي الأنثروبولوجي في دراسة
الشعر العامي ومحاولة الغوص إلى أعماق الوظائف
النفسية والاجتماعية لهذا الأدب ومحاولة استكشاف
البنى الذهنية والشعورية التي تشكله.
ونكرر هنا ما سبق أن قلناه في حديثنا عن المصادر
العربية بخصوص المصادر الثانوية التي لا تتناول
الشعر النبطي بشكل مباشر لكنها تشكل أدوات مهمة من
أدوات البحث التي لا غني عنها للباحث المدقق. ومن
أهم هذه المصادر المصادر اللغوية والإثنوغرافية.
ومن أبرز المهتمين بدراسة اللهجات البدوية وأساليب
التعبير الشفهية هايكي بالفا
Heikki Palva
وبروس إنغام
Bruce Ingham
اللذين سبق الحديث عنهما. ومن رواد دراسة اللهجات
البدوية جين كانتينو
Jean Cantineau
و ت. م. جونستون
T. M. Johnstone
وهايم بلانك
Haim Blanc.
وسوف نورد قائمة بأعمال هؤلاء اللغويين ضمن قائمة
المصادر الأجنبية.
كما ستشتمل قائمة المصادر الأجنبية على أبرز أعمال
الرحالة الأجانب ممن جابوا أرجاء الجزيرة العربية
وبعض من عملوا في المجال الدبلوماسي والذين تمثل
كتاباتهم أهم المصادر الأثنوغرافية التي تساعدنا
على تمثل البيئة التقليدية التي نشأ فيها الشعر
النبطي. وإضافة إلى أعمال جورج أوغست والين
وألاويس موزيل وغيرهما ممن سبقت الإشارة إليهم
هناك أعمال أخرى في غاية الأهمية. ويعد يوهان
لودفيج بوركهارت
Johann Ludwig
Burckhardt،
وهو سويسري الأصل، من أوائل المهتمين بدراسة
المجتمعات البدوية. أتقن بوركهارت اللغة العربية
وأجادها إجادة تامة وتفقه في علوم الإسلام الشرعية
وتعمق فيها واعتنق الإسلام وأدى فريضة الحج وزار
المدينة ودون ملاحظاته خلال زيارته للأماكن
المقدسة في كتابه
Travels in Arabia.
وقدم للقارئ الغربي من خلال كتابه هذا أول وصف
مفصل وحقيقي للكعبة المشرفة والحرمين المكي
والمدني كما وصف المظاهر العمرانية والاجتماعية
والسياسية في جدة ومكة والمدينة وينبع. وتوفي في
القاهرة بعد عودته من الأماكن المقدسة بفترة وجيزة
ودفن في مقابر المسلمين. وقبل زيارته لمصر
والحجاز، والتي تزامنت مع بداية حملة محمد علي ضد
جزيرة العرب، كان بوركهارت قد أقام لفترة عامين في
حلب مما أتاح له فرصة الاحتكاك بقبيلة عنزة وبعض
القبائل الرحل التي تقطن الصحراء السورية وشمال
الجزيرة العربية، وتجول بين هذه القبائل ودرس
أحوالهم ودون الكثير من الملاحظات عنهم. ويعد
كتابه Notes
on the Bedouins and Wahabys
من الكتابات المتميزة والغنية بالمعلومات عن
المجتمع البدوي وحياة الصحراء ولا يزال من المراجع
التي يعتمد عليها في هذا المجال. وقد وصف الدكتور
عبدالله العثيمين (1405: 3) بوركهارت بأنه من أبرز
الرحالة الأوروبيين إلى البلاد العربية وأكثرهم
دقة وإنصافا. وكتابات بوركهارت السويسري تشبه
كتابات والين الفنلندي في موضوعيتها وتعاطفها مع
عرب الصحراء وخلوها من التحيز الديني والعنصرية
العرقية، بل إن القارئ يجد فيها تذمرا من
الأوروبيين وطريقة حياتهم وتمجيدا لحياة البادية
وشغفا بالصحراء.
وممن ادعوا الإسلام وتظاهروا به وتزيا بزي
الدراويش من أجل دخول مكة والمدينة وزيارة الأماكن
المقدسة الرحالة الإنجليزي المغامر ريتشارد بيرتون
Richard
Burton
الذي اشتهر بترجمته ألف ليلة وليلة وبتدوينه
لرحلته إلى الحجاز عام 1853م في كتابه
Personal Narrative
of a Pilgrimage to al-Madinah & Meccah
الذي يقع في جزءين. وبالإضافة إلى وصف الأماكن
المقدسة وما يحف بالرحلة إلى هناك من مخاطر ومصاعب
يعطي بيرتون معلومات إثنوغرافية جمة عن قبائل
الحجاز وحياة البدو في الصحراء، وإن كان منهج
بيرتون في الكتابة أقرب إلى طابع الإثارة منه إلى
التوثيق الدقيق والملاحظة الموضوعية. ولما توفي في
سنة 1980م بنت له زوجته ضريحا كبيرا على هيئة بيت
من بيوت الشعر البدوية.
ولم تمض عشر سنوات على رحلة بيرتون حتى شد الرحال
في أثره رحالة إنجليزي آخر لا يقل عنه إثارة للجدل
هو ويليام بالغريف
William Gifford
Palgrave
الذي بدأ رحلته عام 1862م. سافر بالغريف مدعيا
الطب تحت اسم مستعار هو سليم أبو محمود العيص
يرافقه مدرس إغريقي مقيم في زحلة في لبنان ويجيد
العربية انتحل اسم بركات بدلا من اسمه الإغريقي.
ومن معان سافر الاثنان إلى الجوف ثم إلى حايل.
وهناك تقابل بالغريف مع الأمير طلال بن رشيد الذي
قال عنه "من بين جميع الحكام والأمراء الذين سنحت
لي فرصة التشرف بالتعرف عليهم، سواء في أوروبا أو
في آسيا، لم أجد إلا القليل من بينهم من يداني
طلال في حذقه لفن الحكم". وفي الرياض قابل الإمام
فيصل وابنه عبدالله بن فيصل الذي قال عنه إنه قريب
الشبه من هنري الثامن في طلعته وفي شجاعته
واعتداده بنفسه ومهارته السياسية. ومن نجد ذهب
بالغريف إلى البحرين وقطر وعمان. ويدعي أن السفينة
التي استقلها من هناك تحطمت في عرض البحر وفقد كل
مذكراته. وفي عام 1865م نشر كتابه
Narrative of a Yearصs
Journey through Central and Eastern Arabia.
ويختلف بالغريف عن الرحالة الآخرين في تفضيله
للحضر على البدو وكرهه الشديد لأهل البادية.
ويحتوي عمله على أخطاء كثيرة وتناقضات حملت بعض
الرحالة المتأخرين مثل فيلبي إلى الشك في أنه فعلا
قام برحلة إلى نجد. ومع ذلك يحتوي كتابه على
معلومات دقيقة عن المنطقة وأهلها وتفاصيل ذات
خصوصية شديدة لا يمكن أن يعرفها إلا من أمضى بعض
الوقت هناك.
ومن الأعمال الكلاسيكية الخالدة التي لا نظير لها
بين كتب الرحلات كتاب تشارلز داوتي
Charles Montagu
Doughty
وعنوانه الترحال في صحاري العرب
Travels in Arabia
Deserta.
في عام 1876م صحب داوتي قافلة الحج المنطلقة من
دمشق وعند مدائن صالح علم قائد الحملة أن داوتي
مسيحي فأرغمه على عدم مرافقة القافلة والبقاء في
مدائن صالح. وأمضى داوتي ما يقرب من واحد وعشرين
شهرا يتجول بين قبيلة الفقرا من عنزة وبين مناطق
الحرة وخيبر وتيماء وحائل وعنيزة وبريدة واتصل
بالأمير محمد بن رشيد وزامل بن سليم وحسن بن مهنا
وتصادف وجوده في حائل مع عودة راكان بن حثلين من
حبس الأتراك. عايش داوتي البدو وعاشرهم في حلهم
وترحالهم، في الشدة والرخاء، وفي السلم والحرب
وشاهد بعينه عمليات الغزو وتعرض هو نفسه للسلب.
ويصف داوتي كل مشاهداته وانطباعاته وصفا دقيقا
شيقا، لا تفوته شاردة ولا واردة. ولاقى داوتي عنتا
شديدا في رحلته لأنه كان يصر على المجاهرة بدينه
المسيحي دون احترام لمشاعر الناس البسطاء وكان
شديد التعصب ضد الإسلام. وعلى الرغم من صعوبة لغته
وغرابة أسلوبه، وعلى الرغم من طوله المفرط ورؤيته
المتحيزة أحيانا يبقى كتاب داوتي عملا عملاقا
ومثيرا تتجدد قيمته مع مرور الوقت نظرا لما يحتويه
من معلومات تفصيلية عن حياة البادية والحاضرة في
شمال نجد.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي
توافد على حائل وشمال نجد عدد من الرحالة
والمستكشفين منهم، بالإضافة إلى داوتي، كارلو
جوارماني
Carlo Guarmani
الإيطالي ويوليوس يوتنج
Julius Euting
الألماني وتشارلز هوبير
Charles Huber
الفرنسي والليدي آن بلنت
Lady Anne Blunt
التي جاءت من إنجلترا بصحبة زوجها ولفريد سكاوين
بلنت Wilfrid
Scawen Blunt.
ولا تخفي الليدي بلنت في كتابها
Plgrimage to Nejd
عشقها وزوجها لحياة الصحراء وتعاطفها الشديد مع
البدو وتعطي معلومات شيقة عن بلاط محمد بن رشيد
وخيله وقصوره ونسائه. ونظرا لكونها امرأة، أتيحت
لليدي بلنت فرصة لم تتح لغيرها من المستكشفين
فولجت إلى داخل قصور الرشيد وخالطت نساءهم واطلعت
على خصوصيات حياتهم العائلية وكتبت عن ذلك بشكل
مفصل. وتقول إنها رأت في بلاط ابن رشيد ولأول مرة
جهاز التلفون الذي كان آنذاك اختراعا حديثا لم تكن
قد رأته قبل وصولها إلى حائل. أما هوبير فإن من
أطرف ما يورده في مذكراته ذكره للدعوة التي أقامها
في المنزل الذي يقيم فيه على شرف حسن بن مهنا
وراكان بن حثلين حيث قدم لهما أنواعا من المشروبات
والحلويات اللذيذة التي لم يألفاها ولم يسبق لهما
تذوقها.
وخلال فترة خدمته في الجيش البريطاني في العراق
والأردن اتصل الضابط البريطاني جلوب باشا
John Baggot Glub
بأبناء البادية وتعرف على حياتهم وكتب عنهم عددا
من الكتب والمقالات. ويقدم جلوب باشا في كتاباته
معلومات قيمة عن حركة الإخوان وزعمائهم وطرقهم في
الغزو والغارات التي كانوا يشنونها على مناطق
الحدود العراقية. ومن الكتب المهمة عن حركة
الإخوان وعن حياة البدو عموما كتاب
Tha Arab of the
Desert
الذي كتبه ديكسون
H. R. P. Dickson
والذي أمضى سنين طويلة في العراق والبحرين
والكويت.
ولا يليق بنا أن نبخس هؤلاء الرحالة والمستكشفين
حقهم ولا أن نقلل من شأن أعمالهم إلا أن المتتبع
لكتاباتهم يلاحظ أنها في أغلب الأحيان تتراوح بين
الرومانسية المفرطة والتحيز الشديد وتغلب عليها
روح المغامرة والإثارة وأنها أقرب إلى الأسلوب
الروائي الأدبي منها إلى الأسلوب العلمي التوثيقي.
وغالبا ما يحتل الكاتب المغامر في هذه الأعمال
المركز البطولي الذي تتسلط عليه الأضواء وتتمحور
حوله الأحداث وتطغى على عمله السمة الانطباعية
والصبغة الذاتية فيحكم على الأمور من منطلق
قناعاته الشخصية وخلفيته الاجتماعية والثقافية
ويقيم الناس والأحداث وكل الأشياء كمجرد وسائل
وأدوات تعينه أو تقف دونه ودون الوصول إلى أهدافه
وتحقيق طموحاته. ويصل هذا المنهج ذروته عند لورنس
T. E.
Lawrence
في كتابه أعمدة الحكمة السبعة
Seven Pillars of
Wisdom.
ومن بين هذا النوع من الكتب يحتل كتاب الرمال
العربية
Arabian Sands
الذي كتبه ويلفريد ثيسيجر
Wilfred Thesiger،
مسجلا فيه رحلته المثيرة عبر الربع الخالي على
الإبل، مكانا متميزا نظرا لما يحسه القارئ من صدق
الكاتب في تواضعه مع البدو وفي تعاطفه مع طرق
معاشهم وفي تقديره لهم وتعبيره عن إعجابه بنسيجهم
الأخلاقي وقدرتهم على الصبر والتحمل. وكان الربع
الخالي بالنسبة للرحالة الغربيين يشكل آخر المعالم
المجهولة في الجزيرة العربية. ومن الذين شاركوا
ويلفريد ثيسيجر المجد في عبور هذه المفازة الموحشة
برترام توماس
Bertram Thomas
وجون فيلبي
St. John Philby،
وهؤلاء يمثلون الجيل الأخير من الرحالة الكلاسيكين
الذين استكشفوا الجزيرة على ظهور الإبل وبهم طويت
آخر صفحة من صفحات المغامرة والاستكشاف في جزيرة
العرب.
قائمة بيبليوغرافية
أبابطين، عبدالمحسن بن عثمان
1969/1389
المجموعة البهية من الأشعار النبطية. مكتبة
الرياض الحديثة.
إبراهيم، عبدالعزيز عبدالغني
1991/1411
نجديون وراء الحدود: العقيلات. دار الساقي،
لندن.
أبو ماجد، علي العبدالرحمن
1962/1382
مظلوم (ديوان شعر).
مطبعة دمشق.
الأحيدب، عبدالعزيز محمد
1982/1402
ديوان من الشعر الشعبي لشاعر سدير إبراهيم بن
جعيثن. حقوق الطبع والنشر محفوظة.
الأصقه، شاهر محسن فراج
1981/1401
كنز من الماضي: أشعار ومواقف من البادية. حقوق
الطبع محفوظة.
1982/1403
البركان: مواقف وأشعار من صخر. حقوق الطبع
محفوظة.
1983/1403
شعاع من الماضي: أشعار ومواقف من البادية.
حقوق الطبع محفوظة.
1984/1404
الديوان الأثري: عادات وتراث البادية. حقوق
الطبع محفوظة.
1984/1404
كتابي: أشعار ومواقف من البادية. حقوق الطبع
محفوظة.
1985/1405
الخليجي: أشعار ومواقف من البادية. حقوق الطبع
محفوظة.
1987/1407
الديوان الكويتي: قصص وأشعار قديمة. حقوق
الطبع محفوظة.
إنغام، بروس
1995/1415
قبيلة الظفير: دراسة تاريخية لغوية مقارنة.
ترجمة عطية بن كريم الظفيري. جميع حقوق الطبع
والنشر محفوظة للمترجم.
الأيوب، أيوب حسين
1982/1402
مختارات شعبية من اللهجة الكويتية. حقوق الطبع
محفوظة.
البابطين، عبداللطيف السعود
1994/1414
من روائع الشعر النبطي أو "طرائف الكلام من شعر
الأعلام". ترتيب وشرح مرسل فالح العجمي. حقوق
الطبع محفوظة.
باشا، أيوب صبري
1983/1403
مرآة جزيرة العرب (جزءان).
ترجمة د. أحمد فؤاد متولي و د. الصفصافي أحمد
المرسي. دار الرياض للنشر والتوزيع.
البتنوني، محمد لبيب
د. ت.
الرحلة الحجازية. مكتبة الثقافة الدينية.
بخيت، صادق محمد أحمد
د. ت.
الأنباط والشعر النبطي في مدخل تاريخي موجز.
حقوق الطبع محفوظة.
البسام، عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح
1978/1398
علماء نجد خلال ستة قرون. (3 أجزاء) مكتبة
ومطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة.
1999/1419
خزانة التواريخ النجدية. حقوق الطبع محفوظة.
البسام، عبدالله بن محمد
د. ت.
تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق.
مخطوطة.
بستاني، وديع
1966/1386
نبذة تاريخية عن نجد أملاها الأمير ضاري بن فهيد
الرشيد. دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر،
الرياض.
ابن بشر، عثمان بن عبدالله
1983/1403
عنوان المجد في تاريخ نجد ط4. حققه وعلق عليه
عبدالرحمن بن عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ.
مطبوعات دارة الملك عبدالعزيز.
البلادي، عاتق بن غيث
1976/1396
طرائف وأمثال شعبية من الجزيرة العربية ط2.
حقوق الطبع محفوظة.
1977/1397
الأدب الشعبي في الحجاز. مكتبة دار البيان،
دمشق.
1977/1397
نسب حرب. مكتبة دار البيان، دمشق.
1979/1399
معجم قبائل الحجاز (3 أجزاء). دار مكة للنشر
والتوزيع.