رميزان بن غشام ورشيدان
لم يدرك رميزان بن غشام وأخوه رشيدان وخالهما جبر
بن سيار حقبة الجبريين الذين زال سلطانهم قبل
ولادتهم. لكنهم أدركوا في أواخر أيامهم نشوء دولة
آل حميد وبدايتها الأولى. وتكاد تتزامن وفاة
رميزان مع استيلاء براك بن غرير على الأحساء بعدما
طرد الترك منها في نهاية العقد الثامن من القرن
الحادي عشر. أما جبر فقد ذكرت بعض المصادر أنه عاش
حتى نهاية العقد الثاني من القرن الثاني عشر. ولا
نعرف شيئا مؤكدا عن وفاة رشيدان.
ولا يزال القسم الأكبر من شعر رميزان ورشيدان وجبر
حبيس المخطوطات، والقليل الذي نشر منه يعاني من
أخطاء طباعية شنيعة. ومثلما درجنا عليه بالنسبة
للشعراء السابقين، سوف نحاول في هذا الفصل والذي
يليه أن نستقصي كل ما وجدناه في المخطوطات من
قصائد لهؤلاء الشعراء وغيرهم من الشعراء الذين
عاصروهم وقارضوهم، وهو كم لا بأس به، وذلك من أجل
استخلاص بعض السمات اللغوية والفنية من أشعارهم،
إضافة إلى بعض الحقائق السياسية والاجتماعية عن
العصر الذي عاشوا فيه.
قراءة شعر رميزان مهمة ليست باليسيرة. فنحن لا
نعرف شيئا ذا بال عن ثقافته ولا عن نشأته. إلا أن
من يتتبع أشعاره يلاحظ أنه نال من العلم حظا سمح
له بالاطلاع على أمهات الكتب في الدين والتاريخ
ومصادر الأدب العربي في مختلف عصوره ومراحله. وقد
تسلل جزء من هذه الثقافة المعرفية واللغوية
الفصيحة إلى أشعاره، على مستوى المفردة والتراكيب،
بل حتى على مستوى العمود الشعري والصور البلاغية
والمحسنات البديعية. وهناك قصائد لرميزان يظهر
عليها أثر التكلف الواضح في محاولته مجاراة الشعر
الفصيح إلا أن عدم تمكنه من قواعد العربية يحول
بينه وبين النظم بالفصحى. خذ مثلا لذلك القصيدة
التالية التي نستطيع قراءة معظم أبياتها بالنطق
الفصيح لولا بعض المفردات التي تضطرنا القافية
والوزن إلى نطقها نطقا عاميا. لاحظ كيف يستقيم معك
النطق الفصيح من بداية البيت الأول حتى الكلمة
الأخيرة من البيت الثالث والتي لن تستطيع نطقها
نطقا فصيحا بالتاء المربوطة لأن في ذلك مخالفة
للقافية التي ستضطرك إلى نطق الكلمة نطقا عاميا.
وكذا الحال بالنسبة لآخر كلمة في البيت الرابع
الذي ستضطرك أيضا إقامة الوزن فيه إلى تخفيف همزة
"انها" ونطق الضمير "هي" نطقا عاميا. وفي البيت
السادس محاولة واضحة لمجاراة شعراء الفصيح في
استخدام المحسنات البديعية. وياحبذا لو وصلتنا هذه
القصيدة كاملة ولم تتعرض لهذا القدر من التحريف أو
النقص مما طمس معالمها وأصبح من الصعب علينا أن
نقيس بدقة مدى تمكن رميزان من الفصحى ومدى نجاحه
في تقليد النظم الفصيح في منظومته هذه:
01) باح الغرام الى ناحت
حمايمه // وساعف الشوق ما هبت نسايمه
02) كن في عظيم الهوى لا في
صغائره // ففي عظيم الهوى حلوى عظايمه
03) وانح العذول ولا تسمع
ملامته // واتبع هواك فلا الدنيا بدايمه
04) فحسب ذاك انها تبري شكيته
// وهي عليه طيور الموت حايمه
05) قل أيها الصاحب المبدي
بشاشته // واللي على الغيض ما تبدي كظايمه
06) كم تتقي بالدجا ليل سترت
به // شمس الضحى أو كبدر في تمايمه
07) وكم تجيل نظر طرف صرعت به
// ضمير قلب ضعيفات عزايمه
08) وتستبيح بشنت اشفتين من //
فيها ازرق النيل درع في وشايمه
09) ومبسم كم يوضي في تبسمه //
كبرق رايح مزن في لثايمه
10) وعنق ريم وإسم يستباح به
// عز المحب من العنبر شمايمه
11) وبمثل ما نتى كرم وضامرها
// نحيل خصر له الردفين حزايمه
12) . . . . . . . . . . الى
انصفت ويقعدها // كسلانة مثل غصن . . . . . . . .
.
13) حورا الجبين مصاب القلب
طالبها // سكرانة في غميق الحسن عايمه
14) موزية الساق لا صوم حبها
// جليلة عن دقاق الغي صايمه
15) لكن نفحة روض الخلد نفحتها
// يم الضجيع أو كمسك في لطايمه
16) يقضانة العين عين الفكر
يعجبها // دل عجيب وعين الغير نايمه
17) بالله عليك ايها المبدي
جنايته // واديم بالهوى من هو ملايمه
18) ساعف لعل من الدنيا
جمايلها // ولا لغيرك من عمر تمايمه
19) تحقق العرف في سمعي وفي
خبري // نشاهد الحب ما تغبى وسايمه
20) هل كان مثلك فتاك نشامت به
// من كل من هو كريم في كرايمه
21) ولا بدعت قريض ضايمني //
ولا به رضيت انا لو كنت ضايمه
22) واسلم ودم وابق فيما لا
زوال له // من النعيم إلىك النفس هايمه
23) ثم الصلاة على المختار
سيدنا // ما ناض برق وما ناحت حمايمه
لا شك أن هذا التفاصح وما يترتب عليه من ركاكة
يشكل عائقا أمام فهم بعض القصائد بالنسبة لناسخ قد
لا يزيد علمه كثيرا عن الإنسان الأمي فيما يخص
الإحاطة بدقائق العربية الفصحى وأسرارها
ومفرداتها. هذا يعني أن الناسخ أحيانا ينقل كلاما
لا يفهم معناه مما يعرضه للخطأ والتصحيف. وتتضاعف
المشكلة وتتفاقم بعدد النساخ الذين ينقل واحدهم عن
الآخر. ولا تتوقف مشكلة الفهم عند حد القراءة بل
إننا أحيانا نجد صعوبة في استيعاب الكثير من معاني
ما نستطيع قراءته من شعر رميزان ورشيدان وجبر
ومعاصريهم من الشعراء، خاصة وأن أشعار تلك الفترة
قد يصل الإغراق في إحكام نسج البعض منها أحيانا
إلى درجة التعقيد واستغلاق الفهم. كما أن العديد
من رموزهم واستعاراتهم الشعرية يصعب علينا فكها
الآن، وإن كانت بالنسبة لهم في زمنهم أمرا مألوفا.
ناهيك عما تتضمنه أشعار رميزان من إشارات مختزلة
وإيماءات عابرة إلى وقائع وأحداث لم تسجلها كتب
التاريخ ولا نعرف عنها شيئا. معظم قصائد رميزان
تدور حول النزاعات الدامية، والدائمة، التي خاضها
ضد خصومه في الداخل والخارج، سواء منها تلك
الصراعات الداخلية التي خاضها مع أبناء عمه من آل
بو راجح وآل بو هلال في تنافسه معهم على السلطة،
أو تلك الحروب الخارجية التي خاضتها روضة سدير
بزعامته مع جيرانها حول الماء والمرعى. إلا أن
رميزان حينما يؤرخ في شعره لهذه الأحداث فإنه يشير
إلىها بشكل مبهم وفضفاض يصعب معه معرفة شيء يذكر
عن تفاصيل الحدث الذي تخلده القصيدة وتحديده
ومعرفة تاريخ وقوعه. ويورد النساخ قصائد رميزان في
مخطوطاتهم بدون ترتيب زمني وبدون تحديد تواريخ أو
مناسبات لها أو غير ذلك من المعلومات التي لو
توفرت لنا لأفادتنا في فهم هذه القصائد وتوظيفها
بشكل أفضل في تحديد مراحل حياته وتاريخه السياسي.
وعلى الرغم من محدودية القيمة التاريخية لقصائد
رميزان لندرة ما يذكره من تفاصيل وحقائق تاريخية،
إلا أنها تعطينا صورة واضحة عن الواقع السياسي
والاجتماعي لذلك العصر وما كان يعانيه أهله من
آفات وصراعات. كما يصور شعره الجو النفسي والمزاج
الشخصي لشخص مغامر وذكي يعيش في هذه البيئة
الشحيحة الموبوءة بحدة التنافس ودموية الصراع. شعر
رميزان يصور شخصيته التي بدورها تعكس العصر الذي
عاش فيه؛ عصر كان فيه الإنسان لا ينام إلا ويد على
سيفه والأخرى على رقبته؛ عصر كان الاغتيال فيه
خيارا كثيرا ما لجأ إلىه الخصوم لحل خلافاتهم
السياسية، حتى بين الأشقاء والأقرباء؛ عصر كان
الإنسان فيه يعيش على حافة الخطر يتربص به الأعداء
من كل جانب. لا شك أن هذه الظروف السياسية
والاجتماعية المائعة المتقلبة التي تفتقر إلى
الأمن والاستقرار سوف يكون لها انعكاساتها
وتأثيراتها على المزاج النفسي والتكوين الشخصي
للفرد. ما هو المركب النفسي والمكون الشعوري
لشخصية طموحة تعيش في بيئة تحفها الأخطار والجوع
والموت؟ كيف تتشكل شخصية الفرد في ظل هذه البيئة
الشحيحة التي يعشش فيها الخوف والقلق؟ كيف يحتفظ
الإنسان بإنسانيته ويولد قيما سامية من واقع قلما
يجد فيه ما يسد رمقه ويقيم صلبه؟ ما هي القيم التي
توجه سلوك الفرد وتحكم علاقته مع أقرانه، التي
غالبا ما يسودها التوتر والمشاحنات والتنافس الحاد
والشك المتبادل؟ كيف يعرف الإنسان صديقه من عدوه
وكيف يتعامل مع كلٍ؟
في مجتمع يفتقد إلى سلطة مركزية ودولة ومؤسسات
تنظم العلاقات الإنسانية وتطبق القانون تتحول كل
العلاقات الإجتماعية إلى علاقات شخصية ومباشرة
ومشحونة بالمشاعر. لا توجد في هذا المجتمع قنوات
ووسائط بيروقراطية أو رسمية تحيّد العلاقات بين
الأفراد وتعطيها طابع الموضوعية والمساواة. ولذلك
تختزل العلاقات السياسية لتأخذ شكل ومصطلح
العلاقات الاجتماعية، فالحليف السياسي مثلا يشار
إليه بأنه "صديق" أو "صاحب" والمعارض السياسي يشار
إليه بأنه "واشي" أو "نمام" والمواطن "جار" أو
"قصير"، وما شابه ذلك من المفردات التي لا تشير في
الواقع إلى أشخاص تربطهم مجرد علاقة شخصية وإنما
إلى حلفاء وأعوان وشخصيات تلعب أدوارا سياسية
مساندة أو مضادة. ونجد مثل هذه المفردات في شعر
رميزان وغيره من الزعماء مثل ما سيرد في القصيدتين
اللتين أرسلهما كل من براك بن غرير وأخيه محمد إلى
ابن عمهما حسين بن عثمان آل حميد وتلك التي وجهها
براك إلى مهنا. البقاء في هذا المجتمع يتطلب من
الإنسان، وخصوصا من يطمح في الزعامة والقيادة، أن
يكون خبيرا بمعادن الرجال، يعرف فيمن يضع ثقته
ويطلع على أسراره وخططه، يعرف المداهن والمنافق من
الصديق المخلص النصوح. اكتساب هذه الخبرة لا تتأتى
إلا لإنسان عاش حياته بالطول العرض، عركته التجارب
واختبر الناس، واطلع على تجارب الاخرين واتعظ بها.
ومن هنا كانت الحكمة من أهم مواضيع الشعر في جزيرة
العرب، عاميه وفصيحه. وهناك شعراء اختصوا بشعر
الحكمة، وهو ما يسمى في المصطلح النبطي "فَكِر"،
أي التفكر في أحوال الناس وتقلبات الزمن. وللحكمة
مكان بارز في شعر رميزان، وأجمل ما في شعر رميزان
مقاطع الحكمة التي تتخلل أغلب قصائده. وحكم رميزان
حكم حية تحس بحرارتها لأنها ليست اجترارا لمأثور
القول، بل عصارة تجربة وومضات فكر ثاقب. رميزان
ليس شاعراً محترفاً، وإن كان يقول شعرا جميلا. إنه
مفكر اجتماعي لا يجد أمامه، بصفته يعيش في مجتمع
تغلب عليه الأمية والمشافهة، إلا الشعر والحكمة
وسيلة للتعبير عن قناعاته واستنتاجاته التي توصل
إلىها عن طريق التجربة الشخصية والتفاعل مع
الآخرين. يمكننا أن نقرأ مجمل شعر رميزان كما نقرأ
مذكرات أي زعيم أو سياسي محترف يراوح في كتابته
بين سرد الأحداث واستخلاص العبر.
نسب رميزان هو رميزان بن غشام بن مسلط بن رميزان
بن سعيد بن مزروع بن رفيع. وينتسب مزروع بن رفيع
إلى عمرو الندى من تميم، وبالتحديد إلى بني حمّاد
بن الحارث من بني العنبر. وتذكر مصادر التاريخ
النجدية أن مزروعا جاء من قفار سنة 630هـ حسب بعض
المصادر، أو 790 حسب مصادر أخرى، واشترى روضة سدير
وعمرها واستوطنها وتداولتها ذريته من بعده. وله
أربعة أولاد نجباء نابهون أصبح كل منهم أبا
لقبيلة. وأولاده هم: سليمان الذي ينتسب إلىه
المزاريع، وهلال الذي ينتسب إلىه آل بو هلال،
وراجح الذي ينتسب إلىه آل بو راجح ومنهم آل ماضي،
وسعيد الذي ينتسب إلىه آل بو سعيد الذين ينتمي
إلىهم رميزان بن غشام. وتقاسم ذرية أبناء مزروع
الأربعة روضة سدير وصار لكل منهم محلة تعرف
باسمهم. وكان النزاع على السلطة مستمرا لا ينقطع
بين آل بو هلال وآل بو سعيد وآل بو راجح. ولا نعرف
شيئا عن العمق التاريخي لذلك الصراع على إمارة
الروضة بين تلك الأسر ولا عن الأسس التي يعتمد
عليها رميزان في طموحه إلى السلطة ويستمد منها
شرعية مطلبه. إلا أننا نستشف من قصائده أنه يعتبر
نفسه الأجدر بالإمارة، لا من حيث ما كان يتمتع به
آباؤه وأجداده من مكانة اجتماعية وسياسية، ولا من
حيث قدرته هو وعشيرته من آل بو سعيد على الوفاء
بالتزامات البلد وتأدية واجباتها في الذب عن حماها
وفي إكرام الضيوف الوافدين إلىها وفي إشاعة العدل
بين أهلها وجمع كلمتهم ومعاملتهم بالرفق واللين.
كان رميزان من أشهر أمراء عصره. ويلقبه الفاخري
بالبطل الضرغام وهي الصفة التي أصبحت ملازمة له في
معظم مخطوطات الشعر النبطي ومصادر التاريخ
التقليدية. ومما زاد من شهرته موهبته الشعرية التي
مكنته من تسجيل صراعاته وكفاحاته وإنجازاته.
ومصادر التاريخ المحلية، التي يصل إعجاب كتابها
بشخصية رميزان إلى حد إطلاق مختلف أوصاف البطولة
عليه، لا تذكره إلا في بضع كليمات متناثرة في ثلاث
مواقع مشتتة. الموقع الأول في سنة 1052هـ التي
يقول المؤرخون، باختزال شديد، إن شيخ العيينة أحمد
بن عبدالله بن معمر هب لمساعدة ماضي بن محمد بن
ثاري بن محمد بن مانع بن عبدالله بن راجح بن مزروع
وقمع رميزان الذي كان يتطلع إلى انتزاع السلطة من
ماضي. وسار ابن معمر بجيش كثيف وأخرج رميزان من أم
حمار، حارة معروفة في أسفل حوطة سدير، حيث كان،
على ما يبدو، يتحين الفرصة بأبناء عمه.
والموقع الثاني الذي يرد فيه ذكر رميزان في مصادر
التاريخ المحلية سنة 1057هـ حينما استولى على
إمارة روضة سدير بمساعدة شريف مكة زيد بن محسن
وقتل ماضي بن محمد بن ثاري، صاحب ابن معمر. وقد
ذكر لي الشيخ محمد بن عثمان الفارس أن رميزان
بعدما أخرجه ابن معمر من أم حمار ذهب إلى منطقة
المشاش بالقرب من بلدة القصب وبدأ من هناك بمكاتبة
الشريف زيد. ولا شك أن هذه السنوات الخمس الحرجة
من حياة رميزان السياسية التي قضاها بجوار خاله
جبر بن سيار، أمير بلدة القصب، وما قد يكون أسداه
له خاله خلالها من عون ومؤازرة كان له بالغ الأثر
في تقوية أواصر العلاقة بين الإثنين وتوثيق عراها،
كما يتضح من مراسلاتهما الشعرية. وقد تكون بعض
القصائد الغزلية المتبادلة بين رميزان وجبر قيلت
خلال تلك الفترة ويرمز الغزل فيها إلى تطلع رميزان
لإمارة الروضة واستعادتها من أبناء عمه. وفي حديثه
عن أحداث سنة 1052هـ يقول مقبل الذكير عن لجوء
رميزان إلى الشريف زيد "وكان له به صلة وثيقة فشكى
إليه ما لحقه من أبناء عمه واستنجده عليهم فأوعده
خيرا ولكنه لم يتمكن من إنجاده لأن الحاله في
الحجاز مضطربه ولم يهمل أمره كل الإهمال فلما
استتب الأمر للشريف في الحجاز خرج غازيا نجد بعد
هذه الحوادث بخمس سنوات". وفي هذه الغزوة أقدم
الشريف على قتل ماضي بن محمد بن وولى رميزان إمارة
الروضة عام 1057هـ.
وتقول الرواية الشفهية إن رميزان بعدما استتب له
الأمر وخشي من مغبة بقاء جنود الشريف معه في
الروضة موّه عليهم وأخذهم في رحلة عبر الصحراء.
ولما توسطوا رمال الدهناء وحطوا رحالهم وناموا عمد
رميزان في الهزيع الأخير من الليل إلى قربهم
ومزقها ثم انسل وتركهم ليموتوا عطشا في حمارة
القيظ. وقد سمعت حكاية مماثلة عن مصيخ أمير جبة
الذي عمل الشيء نفسه بجنود الأتراك الذين بعث بهم
ابن عيسى من حائل للقبض على عبدالله بن رشيد الذي
كان آنذاك مختبئأً في جبة! وهذا ما أشار إليه
عبدالله بن رشيد في قصيدته: قل هيه ياللي لي من
الناس وداد، حيث يقول:
مصيخ بن فرحان ياعرب الاجداد
// كل العساكر نكّسه تتلي البيه
نكس بهم عامر ومحسن وزيّاد //
والكل منهم ما رجع صوب اهاليه
والموقع الثالث الذي يرد فيه ذكر رميزان في مصادر
التاريخ المحلية هو حادث مقتله عام 1079هـ أو
1080، على اختلاف بين المؤرخين، قتله سعود بن محمد
من آل بو هلال الذين يجتمعون مع آل بو سعيد، عصبة
رميزان، في جدهم المشترك مزروع. وهكذا نرى أن
رميزان عاش حياة تحفها المخاطر من كل جانب. كان
عليه، لكي يظفر بالسلطة ويحتفظ بها، أن يخوض صراعا
دمويا مريرا مع أبناء عمومته من آل بو راجح وآل بو
هلال حتى انتهت حياته بالقتل.
وبحكم زعامته كانت لرميزان صلات مع أمراء مدن وقرى
مناطق سدير والوشم وكذلك القوى المحيطة بهذه
المناطق مثل ابن معمر في العيينة والأشراف في
الحجاز وآل حميد في الأحساء. وحينما نشب الصراع
بين رميزان وأبناء عمه من آل بو راجح على الأمارة
استنجدوا بابن معمر ضده، لكنه استطاع أن يستميل
إلى جانبه قوة أعظم بكثير من قوة العيينة، وهي قوة
شريف مكة زيد بن محسن بن حسين بن حسن بن أبي نمي.
لقد كان تحالف رميزان مع الشريف زيد صفقة رابحة
وحركة سياسية بارعة جاءت في الوقت المناسب، الوقت
الذي كانت فيه أنظار الأشراف في مكة قد بدأت تشخص
إلى نجد. ولد الشريف زيد بمكة عام 1014هـ وتولى
إمارة مكة عام 1041هـ وبعد حكم دام 35 سنة توفي في
3 محرم من عام 1077هـ وعمره إحدى وستون، وخلف عددا
من الأولاد ومنهم من ولي شرافة مكة. وتتحدث
المصادر التاريخية عن قوة ذلك الشريف وحسن سيرته
وتدبيره، إلا أن هذا لم يمنعه من ارتكاب المظالم
ضد بعض البلدان النجدية. وكان دور أشراف مكة
وتدخلهم في شؤون نجد بدأ يقوى بشكل ملحوظ لملأ
الفراغ السياسي الذي تركه زوال الدولة الجبرية،
وصاروا يشنون الغارات على القرى والمدن النجدية
طمعا في إخضاعها وبسط سلطتهم عليها. يقول
عبدالكريم المنيف الوهبي "وقد أخذ نفوذ الأشراف
يتصاعد في نجد حتى بلغ ذروته في عهد الشريف زيد بن
محسن ثم أخذ في التراجع بعد وفاته." (الوهبي 1410:
192).
وعلى قدر ما كانت علاقة رميزان بشريف مكة قوية
وقريبة ومتينة، رغم بعد المسافة بينهما، كانت
علاقته بجاره وابن عمه التميمي ابن معمر، أمير
العيينة، تتسم بالبعد والجفاء لوقوف ابن معمر إلى
جانب خصوم رميزان من آل بو راجح وآل ماضي، وهذا ما
يستشفه القارئ من مصادر التاريخ النجدية. بل إن
مقبل الذكير يصرح بذلك ويعلل في حديثه عن روضة
سدير مسيرة ابن معمر ضد رميزان وإخراجه من أم حمار
أن الأخير كانت له "صلات حسنة مع أشراف مكة الذين
لهم شبه سيادة على نجد وهذه الصلات أوجدت له حساد
من الأمراء المجاورين وأخصهم ابن معمر الذي كان
يفوقه قوة ولا يروقه وجود هذه الصلة بين رميزان
والأشراف". إلا أن عبدالمحسن بن معمر في كتابه عن
العيينة (1416: 325-326) يخالف هذا الإجماع ويفسر
عبارة المؤرخين المقتضبة والمبهمة عن إخراج ابن
معمر لرميزان من أم حمار بأنها تعني أن رميزان كان
محاصرا وأن ابن معمر أنجده وفك حصاره. ويرى ابن
معمر أن علاقة رميزان بحاكم العيينة كانت ودية،
ويستدل على ذلك بأبيات لرميزان اقتبسها الشيخ عبد
الرحمن بن عبدالله بن حمود التويجري من مخطوطة ابن
لعبون وأوردها في كتابه الإفادات عن ما في
تراجم علماء نجد لابن بسام من التنبيهات
(1411: 61-62). وقد اطلعت على الأبيات في مخطوطة
ابن لعبون الذي ينسبها فعلا إلى رميزان ويقول إنه
قالها في حمد بن عبدالله بن معمر، وقد ساق ابن
لعبون هذه الأبيات ليدلل بها على زعمه أن آل معمر
ينتسبون إلى عبد الحميد بن مدرك وبالتالي إلى
وائل. والأبيات هي:
أزكى بني عبدالحميد وغيرهم //
والضد من خوفه يظلّ موجّل
حمد بن عبدالله مْنى ضيف الخلا
// إن عضّ كالوب الزمان الممحل
ياما سطا وياما عطى وياما وطا
// بمهَنّدٍ صاف الحديد مصقّل
راس الذي كِبْرٍ براسه مايق //
لى ذل رعديد الرجال الزمّل
وتتفق هذه الأبيات في وزنها وقافيتها مع قصيدة
رميزان "ياجبر هو ضيم الليالي ينجلي" ومع رد جبر
عليها ومع لامية أبي حمزة العامري في مدح الشريف
كبش بن منصور بن جماز ومع لامية الشعيبي في مدح
بركات الشريف، لكنني لم أجد لها أثرا في أي من هذه
القصائد ولا في أي من مخطوطات الشعر النبطي التي
أتيحت لي فرصة الاطلاع عليها، ولا أدري من أين أتى
بها ابن لعبون.
ولم يدخل رميزان في تحالفات مع آل حميد، مثلما فعل
مع شريف مكة، لأنهم لم يظهروا على مسرح الأحداث في
نجد كقوة ضاربة إلا في السنين الأخيرة من حياته
وبعد أن مضت سنين طويلة على تحالفه مع الشريف زيد
وترسخت علاقته معه، والراجح أنه مات قبل أن يثبّت
براك سلطته على الأحساء والقبائل المحيطة بها وقبل
أن تشخص أنظار شيوخ آل حميد إلى نجد. وكان يمكن
لرميزان بعد وفاة حليفه الشريف زيد أن يتجه إلى
محالفة براك بن غرير مستثمرا في سبيل عقد هذا
الحلف وتقويته علاقة النسب القبلي التي تربط خاله
وصديقه المخلص جبر بن سيار مع براك وكذلك ما كان
يحظى به أخوه رشيدان عند براك وأخيه محمد من
مكانة. لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
ومما يوضح قوة العلاقة التي كانت تربط رميزان
بالأشراف وجود خمس قصائد في مخطوطات الشعر النبطي
قالها رميزان يمدح الأشراف فيها، ولم يمدح أحدا
غيرهم. ونلاحظ أن رميزان بذل جهدا في تقريب لغة
هذه القصائد ومفرداتها من الفصحى حيث أنها قيلت في
مدح الأشراف. من هذه القصائد ثلاث في مدح الشريف
زيد منها هذه القصيدة التي تبلغ ثمان وأربعين
بيتا؛ وفي الأبيات الأخيرة منها يوجه رميزان
انتقادات حادة إلى أمراء عصره مشيرا بذلك من طرف
خفي إلى أنه أجدر من هؤلاء الحكام وأصلح للرعية.
وهذا يوحي بأنه قال القصيدة بعد إخراجه من أم حمار
وفي الفترة التي كان يحاول فيها أن يستميل الشريف
إلى جانبه وأن يقنعه بجدارته وأحقيته وبالتالي
مساعدته في استرداد إمارة الروضة:
01) الدار زينتها مَعَ نزّالها
// ومغبّره واهل الديار جمالها
02) حي الديار ديار كل صميدع
// أصطى على الأهوال من عسّالها
03) واهلا بها من ديرةٍ
ياليتها // بلسان حالي لي تردّ سؤالها
04) دارٍ مرابيع النجوع لعلها
// يعتادها من حيّها نزّالها
05) وعسى لهذيك الديار نشوفها
// مزدهيةٍ بخْيامها وحْلالها
06) دارٍ من الدهنا الحقوق
تحدّها // تيما تحد رجالها وجبالها
07) والجزع من نجدٍ فلا
ياحيّها // ما حدّت الدهنا وحدّ وثالها
08) والبير والقلبان وامواه
الجوا // ورْسومها في برّها ورْمالها
09) يازين منزلها إلى ما
ثوّروا // من بِلْدها فوق الجمال احمالها
10) ثم رْتَعَت في وشمها
وقصيمها // فرقانها لما حلى مكيالها
11) مسقيّةٍ تالى الخريف
فْياضها // فيها من الما ما يصفّ جهالها
12) بالدلو وبنَوّ الثريا
والبها // يعتاد برد اموالها وظلالها
13) فإلى تقاطرت النزول بقيضها
// ما بين مفلاها وبين زلالها
14) لساج زرفات البكار تحلّها
// حتى تصرّم وسمها وحبالها
15) ثم التوى سعدانها بمنازل
// ورياضها حتى يبسن بلالها
16) ثم اتّجَهْن إلى الجبال
اسلافها // فانشبن شدّ وشالها بوشالها
17) ثم ذرعن إلى النفود يحدها
// فإستوت فرسانها باشمالها
18) فازداد برد الحيدات
وفتّشوا // لزهابها وازبانها ونعالها
19) وجرعن من عطف النفود
تقودها // ساداتها وحماتها ورجالها
20) ورموا لمن رام العداة
بغارة // واستَجْفلوا من غابها ريبالها
21) حتى حمى عرصاتها عن ضدها
// باس النكال اعمالها باعمالها
22) الطاردين الملوك بهمه //
وعزيمةٍ وصريمةٍ يبرى لها
23) الملحقين من الحروب قتيمها
// الصابرين على نتاج حمالها
24) الباعثين لشرقها ولغربها
// بكتايبٍ وجنوبها وشمالها
25) المضمرين عن النفوسِ معاقد
// عن ضيمها ما يكرهون نِزالها
26) المتبعين اقوالها بفعايل
// المردعين النفس عن زلزالها
27) المبديات المرضيات نفوسهم
// شوقٍ إلى شاق النفوس انهالها
28) الرافلين من الحلوم فربما
// يمنعك من سخطها إجلالها
29) الطالبين على النجوم تطلّع
// مجدٌ أناف على عظيم منالها
30) قرشيةٍ علويةٍ نبوية //
نمويةٍ حسنيةٍ طوبى لها
31) المطعمين إلى غلى سعر
القرا // كم حال من دون السؤال نوالها
32) السائمي مهج النفوس بحزّة
// زلزال يوم الحشر من زلزالها
33) يردون فيها الموت فوق
سلاهب // تجري بفرسانٍ لكن بفالها
34) المرعفين بها مزاريق القنا
// المتلفين رجالها برجالها
35) الضاربين بكل أبيض صارم //
الحاملين على عظيم اهوالها
36) يتلون شيخٍ من سلالة هاشم
// من هامها والتاج في غربالها
37) زيد بن محسنٍ الذي له همة
// ما تستجد امثالها بامثالها
38) المبتغي فوق العلاء مفاخر
// للشكر حيث اسمالها باسمالها
39) المقتفي سنن الرسول بقربها
// وابعادها واحسابها واوحالها
40) وإلى متى ما فرحت برزت له
// وكاد ما موت النفوس نكالها
41) ملك تدين له النفوس خواضع
// ولكم بها ما للخفى آمالها
42) ابن الكفاة ومن كفاية مفخر
// في ذاتها وحي الإله اوحى لها
43) واسلم ودم في دولةٍ محروسة
// باياتها حمّالها واعمالها
44) وغد يثيبك ربك افضل منزل
// مع سادةٍ سدا عليها دالها
45) فالعيش باق والديار محلها
// لكن تغيّرهن عن أحلالها
46) خذلتهم الدنيا فعادت روسهم
// كاذنابها وحرامها كحلالها
47) وأشد ما فيها فساد قضاتها
// وشيوخنا جمع الحطام نفالها
48) ثم الصلاة على النبي محمد
// ما ناض برقٍ في خلال خيالها
وتقول الأخرى وتبلغ أربعة وعشرين بيتا:
01) قريعة ما بالغير ما منك
عايده // وما بالورى من سيّدٍ فانت سايده
02) وعيدك هذا عايدٍ كل حجّه
// عليك بخيرٍ عايدٍ وانت عايده
03) ولا زلت من والى السما في
ثبات // وضدّك تاطاه العدا في نكايده
04) ولا غابت الأيام في من
تودّه // ولا سلفٍ ينكا العدا فانت قايده
05) ودمت لنا عزٍّ نرى فيه
منعه // وبيت الندى منك الوفا في حمايده
06) وشرّفت في غَدٍ لك الفوز
والرضا // وزايد حسنى حيث حسناك زايده
07) وبك عاش من لا يرتجي له
معيشه // وبك صاد من لا يرتجي في صوايده
08) وجدّدت رسمٍ للمروّات
والنقا // ومن شب زينات المعاني عوايده
09) وفيك معاني ما نرى فيك
ضدّها // عرفت بها من كل أمر جوايده
10) تفوق بني الدنيا بعفوٍ
وعفّه // وحلمٍ وعدلٍ عدل كسرى شرايده
11) وأكرم من يلقى إلى استاقت
الشتا // بضيفٍ إلى قل القرى في صوايده
12) وفارس هيجا نسلها لاقحٍ
بها // عوانٍ ذوى تيجانها من شرايده
13) بك مثل ما جا من قديمٍ
سمعته // والامثال يرثاها الفتى من نشايده
14) إلى قل ماجود الملا زاد
جوده // ولا تخلف احداث الليالي وعايده
15) ومن غير ما تحوي مطاوي
رسالتي // وردّ ثناً يعناك والفكر شايده
16) مشافهة يازيد ياخير من مشى
// سوى الرسل والقى بالمعالي وسايده
17) ومن له في دعوى قريشٍ
مفاخر // وبيت الندى ما عن مناويه كايده
18) وخير من استولى ومن ساد
بالعلى // ومن عاش دنيا سالمات عقايده
19) على الود تجزى بالثنا يابن
محسن // وبالجود ما تحصى ثنايا فوايده
20) قلايص منا سارياتٍ قواصد
// جداها ومنكم للحسانى قلايده
21) بعزٍّ فلا من مطمعٍ
يستحقّه // أيضا ومن شعث النواصي رفايده
22) وإن تاجد التقصير مني على
الثنا // عليك فعذري واضحٍ وانت زايده
23) فهل مادحٍ يحصي لما أنت
فاعل // من الجود لو بلغ القصى من قصايده
24) وصلوا على خير البرايا
محمد // عدد ما لعى القمري بعالي جرايده
وقال رميزان قصيدة ثالثة تبلغ ثلاثة وخمسين بيتا
يسندها على الشريف ناصر بن سعد ويمدح فيها الشريف
زيد بن عبدالمحسن:
01) يعيب جميلات الأمور
امتنانها // ولا فايتٍ من صالحٍ باكتنانها
02) وفي منزلٍ عجنا نحيي لدمنه
// لسكّانها وانسانها في زمانها
03) بها آثار تيجان المعالي
دوارس // لسبعٍ فلا ياقربها من ثمانها
04) رسومٍ بديّانٍ وخيمٍ وموكب
// يحيل ندى جفناتها في مكانها
05) ومجلس حكمٍ من حكيمٍ عنت
له // وفود الليالي مستخفٍّ جنانها
06) وموقف حكيمٍ من دهاها
تقيسه // لرضوى وسلمى أو أجا في ارتزانها
07) وفيها لجزلات العطايا
شواهد // ومدّ يدٍ كل العطا من بنانها
08) وعزمٍ له اثارٍ ورايٍ
وهمّه // تمج الجفا والكل والي عنانها
09) أياناصرٍ محيي الندى عقب
ما بقى // بدار الشقا مامونها في أمانها
10) فلايص فيها من هوى مثل ما
بنا // إلىه وهو مدني الفنا من سمانها
11) فلو يجمع الوصل البكا في
منازل // جعلت البكا للوصل شاني وشانها
12) ولو ان تحيّاتي لمن ذي
رسومه // بها كان تسبيحٍ حللنا جنانها
13) تقللن من جو الدجاني ضعاين
// كسين من انماط الوشايا هجانها
14) ألفن اللوى حتى ذوى العود
بالثرى // وحان من البهما السفا في محانها
15) وطارت دنانير الخزامى
وخوّضت // فروخ القطا مطروقها في حزانها
16) وساق سنا الصبح الثريا
وتابعه // مطافيل غزلان المها من عدانها
17) فلما رأين العد لا شي دونه
// كذا كل الاشيا حلوها في أوانها
18) نجعن لجمّات الركايا بدمنه
// يشوق عن اوخام البحور ازتيانها
19) طوالع من سقط الضواحي
قواصد // شفا البطن في قفرٍ حدتها قيانها
20) قواصد جيّان الوشيّات كلها
// مقرّنَةٍ حلت بالايدي قرانها
21) إلى ديرةٍ حيطانها ذارع
القنا // يكود على الضد المشاحي قطانها
22) مقايظه بالقيظ غينٍ ظلايل
// بفرسانها لا بالحصون احتصانها
23) على دمنةٍ فيها للاسلاف
ضوله // لخور المتالي عولةٍ في عطانها
24) منازل مَلْكٍ من عرانين
هاشم // كما الروح من هذا تلقّيت شانها
25) أبا الحارث السامي إلى كل
غايه // بروح ترى راحاتها بامتحانها
26) قليل التشكي للمصيبات عالم
// لما بعدها من حالها في لسانها
27) له الطمع القاصي وللغير ما
دنا // بنفسٍ من الله الكريم استعانها
28) تريح يمناه المشافيق مثلما
// بالاقفا عن اطراف القنا في ضمانها
29) فيامن إلى اوليناه شكرٍ
بدت له // فضايل من فوق الحساني حسانها
30) لكل فتىً بالناس رايٍ
يدلّه // والاريا حمى عما ينوب اختزانها
31) فكن غير مأمورٍ إلى جاك
رسله // لك واضح عنوانها مع بيانها
32) بنا مجهدٍ فيما عن الكل
مشفق // أخا ثقةٍ في سرّها واعتلانها
33) الى الصلح منقادٍ فكم من
قبيله // رأت ذلّها بالحرب رؤيا عيانها
34) وكم يتم الياس في من توده
// أو الملك أدنى غبنها باغتبانها
35) ويامفخر الدنيا إلى سيم
خيرها // هوانا بها دولة سرورٍ هوانها
36) أودعت لشيخان الرعايا
ملابس // بها افتخرت لو كان من صوف ضانها
37) لك الله ما هذي بقايا
حميّه // ويامعشرٍ هذي توالي اختنانها
38) وخالقك ما بالحرب شيٍّ
تناله // ولا شرفٍ يَمّ العلا بامتنانها
39) وكم ضمّت الطاعات مخفي
عداوه // غضبك رضاها والرضى باحتزانها
40) وكم قد سعى بالخلف من
تصطفونه // تبوع هوى عند اصطفاق استنانها
41) قويٍّ فإن عاديت سمٍّ على
العدا // إلى شمّرت عن ساق حربٍ عوانها
42) وهو إبن عمٍّ بالحروب ان
تظاهرت // على النفس من أشكالها واستنانها
43) أبو سعدٍ واف الذمام الذي
له // معانٍ بها قبلان الاشيا معانها
44) بعيد مدى الغايات زيد بن
محسن // مكسّر شاخات المعادي عرانها
45) لك الله ما من عصر كسرى
وقيصر // وتبّع من عدت عليها لبانها
46) ولا حملت أنثى جوادٍ كمثله
// ولا حملت مَلْكٍ جوادٍ حَصانها
47) ولا زفّت العليا عروسٍ
لمثله // إلى برزت دمّ العوادي دهانها
48) هو المفخر الثاني ليال
وخندف // خليفة قومٍ شانها عظم شانها
49) فتى لابةٍ من هاشمٍ إبن
هاشم // لهم شيمةٍ كل العلا من اغصانها
50) فلا قنع بالفعل الذي
تستجدّه // لياليه فابقينا لها ترجمانها
51) فلا زالت الأيام تجري
مطيعه // لأمرٍ جرى وابن آدمٍ في رهانها
52) ووفّقه الباري للاصلاح
والتقى // والايقان واصلاح الملا في تقانها
53) وصلوا على خير البرايا
محمد // عدد كل لفظٍ قد لفظ من لسانها
وقال رميزان قصيدة رابعة تبلغ ثمانية وعشرين بيتا
في مدح الشريف سعد ابن الشريف زيد بن عبدالمحسن
الذي تولى شرافة مكة بعد أبيه. تقول القصيدة:
01) قف بالديار الدامرات
نفيدها // بشرى لها بشرى بطلعة سيدها
02) وافي الذمامِ عن الملامِ
ومن لَهُ // فضلٌ على ساداتها وعبيدها
03) الهاشمي ابن البتول ومن
رقى // درج العلا أوفى الملا توكيدها
04) تاج الملوكِ سراج من في
هاشم // ريبالها يوم الوغى صنديدها
05) حليفها وعفيفها ونظيفها //
ومضيفها ملجا لجار عديدها
06) ما شرب باقداح المدام ولا
سرى // لخدينةٍ بيضا طويل جيدها
07) سعد بن زيدٍ سعد من حملت
به // انثى وعاش على الرضاع بديدها
08) مال الزمان على المكارم
واندرس // وعلى ابن زيدٍ بالعلى تشييدها
09) من كد يعنى لها من مقصف //
علياه على البحر المحيط نديدها
10) الليل معها كالنهار بنورها
// ونهارها كالليل من توقيدها
11) هذا يحطّ وذا يشدّ مثوّر
// منها وهذا راتعٍ بثريدها
12) يشقى بها من هو يصالي
نارها // ما يهتني بالليل من توقيدها
13) طاعوا لما قال المطاع اهل
القرى // وهاللي يمايل كرب وتشديدها
14) تسعين بالحاج تسعى بالرجل
// قد بان بعد نويها ترديدها
15) ياخير من تسعى إلىه وبرّكت
// تشكي الحفا بمتونها تلهيدها
16) وامضى من الليث الهزبر إلى
صطا // سعد مذل الضد لاوي قيدها
17) جِعْل الذي ينوي مقامك
صادق // حدٍّ لحيّانٍ هوت ويريدها
18) يموت ما نال الذي هو آمل
// تفنى عداك وغلّها في كيدها
19) يموتون في غل ونفوسهم
مقحومه // عيشة عدوك عيشةٍ نكيدها
20) لعبوا به ايد الدامرين
وفرّقت // سكانها وابلى الزمان جديدها
21) اغفر لها غفر الإله ذنوبك
// عذالي تضحك كل لي ضديدها
22) بشّر غلامك فالبخوت بعزمها
// بِشّرْت بايام الرضا وسعيدها
23) وامك وابوك الطاهرين ذوي
السنا // والسامعين بحروته تأييدها
24) ما والذي تسعى الوفود
لبيته // من كل فجٍّ قاصدٍ ومديدها
25) غيرك فأنت الما وغيرك صارد
// ما يباح تيمّمٍ بصعيدها
26) انظر قوافي القيل يابحر
الصخا // مدايحٍ تهدى إلى وديدها
27) والعذر في تقصير مدحك هل
ترى // حسناك ما تحصى الملا تعديدها
28) ثم الصلاة على النبي محمد
// ما انقاد من وادي الحجاز مديدها
وقصيدة خامسة تبلغ خمسة وثلاثين بيتا في مدح
الشريف أحمد الذي يكنيه رميزان "أبو ناصر" تقول:
01) مكارم الاشيا باجتناب
المحارم // ونيل المعالي باحتمال المغارم
02) وما جَرّ نفعٍ عاجلٍ سرّ
جاهل // وما جر نفعٍ آجلٍ سرّ عالم
03) ومن باع ما يبقى بما افنى
ولو غلى // فقد ندم والتقوى كمال المكارم
04) ولا خير بالدنيا ولا النفس
فانما // هواهن إيقاع الفتى بالمحارم
05) وكيف أخا الدنيا وقد لوحت
له // يغرّه من ذيك الديار المعالم
06) فغارس فعل السو يجني ندامه
// ولا غارس افعال الحساني بنادم
07) بلى ان الحساني ربما خاب
فعلها // من الحلم فعلٍ بالعدا والمحارم
08) وتصدير الاريا قبل الاوراد
ربما // تصون عن ايقاع الفتى بالمحارم
09) وغارم الاشيا ربما ثاب
مغنم // وربة غرمٍ من نجا منه غانم
10) وربك ما غير الهوى جر مطمع
// كريمٍ وما كان الهوى منه حارم
11) وما ضر محبوبٍ وما سر مبغض
// وياما بنا ماضى الغرابيل صارم
12) وبالحظ ياما اصلحن الايام
مفسد // وبالضد ياما افسدن الايام حازم
13) ولا الراي إلا راس الاشيا
ولم يكن // له الحكم في شيٍّ له الله حاكم
14) مضى ذا ولي قلبٍ إلى كل
متعب // طموحٍ وبالضيقه على الخطب هاجم
15) جميل العزا عن فايت ما
يرده // ومنه الرضا عند المهمّات قادم
16) أصونه على الحفّه إلى ما
تهزهزت // من الخوف أحشاء القلوب الهوارم
17) ومن كان تيجان المعالي
لبوسه // جلا الشك لو ضاقت عليه المهازم
18) فقلت لركبٍ شدّوا اكوار
ضمر // قواصد لأبناء الكرام الأكارم
19) على الرشد عوجوا روس
الانضا فمثلكم // يعوجون روس اليعملات الهوارم
20) إلى بعد سير العشر منا لفت
بكم // بني حسنٍ أبنا نُمَيّ ابن هاشم
21) هل الجود في غبر السنين ان
تتابعت // قراة إلى جات السنين الحواطم
22) فخصوا لنا زبن المشافيق
باللقا // خليفة ساداتٍ كرامٍ أكارم
23) شفى صفر الايدي من له
الجود عاده // والايثار يرجى والصخا منه لازم
24) مجدّد رسومٍ للمروّات أحمد
// أبو ناصرٍ مفنى البكار السلاجم
25) سراج بها موضي قريشٍ إلى
التقت // محافلها بانوا الخطوب الغواشم
26) وفارس هيجاها إلى عاد
بالطلب // شرا الحمد فيما بينها والجماجم
27) وسايس علياها ورافي فتوقها
// حجاها ومن منها حليمٍ وعالم
28) ومن شب ما جازى مسيءٍ
بفعله // أناب ومن يرجي الوفا منه سالم
29) وحارب ما خلّى لحربٍ ظليمه
// وصاحب ما استوفى ضعيفٍ بظالم
30) وبعد انقضا رديّةٍ صافحت
بها // لفداه من يمنا يديه البراجم
31) إلى سالكم عنا وهي منه
عاده // لنا في شفايا مالنا منه قاسم
32) فقولوا فما بيّن لكم من
معزه // مشافهةٍ من غير ما كنت راسم
33) عليه بياض الوجه فيما سعى
بنا // جزى كلما التفّت عليه المواسم
34) فوي رجا قومٍ إلى ناب مغرم
// حجا لو عن آفات الأسود الضراغم
35) وصلوا على خير البرايا
محمد // نبي الهدى ازكى قريش آل هاشم
استطاع رميزان الاحتفاظ بسلطته لما كان يلقاه من
دعم الشريف زيد الذي اشتهر بعلاقاته الوثيقة مع
القبائل ومع أهل نجد وتفهمه لأوضاعهم وطبائعهم
وقدرته على التعامل معهم. وبعد وفاة ذلك الشريف
بأقل من سنتين تمكن سعود بن محمد من آل ابي هلال
من رميزان وقتله. ونظرا لغموض المصادر التاريخية
فإننا لا نعرف السبب الذي دفع سعود بن محمد إلى
قتل رميزان والأرجح أن دوافع القتل كانت سياسية
سببها الصراع على السلطة.
ومن قصائد رميزان التي وجدناها في المخطوطات قصيدة
يبدو من مضمونها أنه قالها بعد أن استرد السلطة
بمساعدة الشريف زيد. يوجه رميزان هذه القصيدة إلى
المزاريع كما يتضح من البيت الخامس عشر ويتحدث
فيها عن خطته في التعامل مع خصومه بعد استتباب
الأمور لصالحه. بعد مدحه لقومه من تميم يشير في
البيت السابع عشر إشارة لطيفة إلى ما بينهم من فتن
قد يستغلها أعداءهم المبغضين لهم ويعملون على
إشعالها لتكون مضطرمة بينهم على الدوام حتى
تفنيهم. ولا ينكر رميزان ما حدث بينهم من خلافات
يؤسف لها لكنه يقول كفى ولنجنح إلى الصلح و"إصلاح
العواقب"، كما في البيت الواحد والعشرين. وبعد أن
يذكّر خصومه بما لقيه من معاناة قاسية على أيديهم
حينما كانوا هم الأعلون يبدي استعداده لنسيان كل
شيء من أجل أن يعم السلام. أما من يوغلون في
العداوة ويرفضون الصلح فإن رميزان سيطالبهم بديون
له عليهم. يبدي رميزان استعداده للعفو عما سلف من
أجل وحدة الصف الداخلي ضد العدو الخارجي، لكن تبقى
هناك بعض التجاوزات الخطيرة، مثل إزهاق الأرواح
وقطع الرقاب، التي لن يتنازل عن حقه فيها وسيحاسب
مرتكبيها:
01) لمثلك في ترك الجواب جواب
// كذلك في ترك العتاب عتاب
02) فلا خير في عتْبٍ على غير
موجب // ولا عاتبٍ يرضى العتاب عِقاب
03) ولا مصطفي خلٍّ وهو كان
رسله // غدا يتّقي سمر القنا بكتاب
04) ولا مبصرٍ من صاحبه ما
يريبه // عيانٍ ويندب في قفاه رْكاب
05) وخفضٍ لذو الألباب من راي
مرشد // كذلك من فوق الفؤاد حجاب
06) وصبرٍ على الجاني صوابٍ
وربما // على حالةٍ كان الصواب جواب
07) فمن هانت ارقاب المهمّات
عنده // غدا يتّقي رمي العدا بثياب
08) فلوها امرت بالسو أو تاهت
القدا // هداها من الراي السديد شهاب
09) وكم جاهلٍ بالجد قد جاد
نفعه // وحلمٍ من الجد الردي تباب
10) والاشوار فيها من كذوبٍ
وناصح // وللكل من فتوى نباه جواب
11) فقم أيها الغادي على
عيدهيه // لكنك من فوق النجير عْقاب
12) إلى سرت يامن ساعد الرشد
نوّه // والاتعاب فيما لا عناك تعاب
13) وما شئت عنا من عزانا
قبيله // للاضياف والجار القديم لْباب
14) بسنام ذرى عالي تميمٍ
وفرعها // والآناف لا مزحٍ ولا بكذاب
15) مزاريع لو من روس عمرو
لديهم // تراثٍ إلى عضّ الزمان بناب
16) ومن دون ما تحوي تميمٍ من
العلا // عن الضد بالخطب الجليل حْجاب
17) فعمهم التسليم ولا يريبك
// بنا مبغضٍ فان الاحباب احباب
18) وقل لهم يامن لهم كان
قبلنا // وحيلاتنا تبعيثهن عذاب
19) فللكل منا يوم لا من مودّه
// فعايل ما فعّالها بمثاب
20) بخيرٍ الى غد تولاه محسن
// يكون كمن خاف الذنوب وتاب
21) وذا الحين جينا في معانٍ
لعلها // تكون لإصلاح العواقب باب
22) غديتوا لنا عن ديرةٍ كان
قبل ذا // حمانا ولو خبث الزمان او طاب
23) وسمحت بها انفسنا عقب ما
بقت // سنينٍ لريعان العجاج مشاب
24) وغضنا الذي يبغي لنا في
ربوعها // مطاول وأيامٍ تجيه عجاب
25) من الفرع في وادي سديرٍ
منازل // لْمَدّ الرجا بالمقبلات رحاب
26) ولا اشوف ميدانٍ بالاشيا
وربما // غدى ما مضى فيما يكون ذهاب
27) فإن كان طلاب العداوات
موغل // عليه لنا بالماضيات طْلاب
28) فخير التماس العفو منا
فطالما // لهم عادة منا الجميل يْجاب
29) وعزت مطلوبٍ من الحلم نفحه
// على مجرمٍ طالت يداه وتاب
30) فمن شعبت لاما المحبين
وصله // تحقّق ما تهوى عداه ثواب
31) ولو جاز حدّ العفو من صوب
جانب // ففي جانبٍ يبقى هناك حساب
32) وإن كان راعي من عدانا
جريره // رقابٍ جزيناه الرقاب رقاب
33) فمن ظفر الأعدا على الرجل
أن يرى // قرابٍ ويبغن القراب قراب
34) نحيناه باطراف العوالي
وربما // دعيناه للمستاخرين زهاب
35) رهاين ودينٍ يستزيده ومثله
// نفوسٍ لها مر المذاق شراب
36) مناعير قومٍ بالحياة
تبدّلوا // فمن مات بالبيض العذاب عذاب
37) ويانفس في عذلك ترى العذر
واضح // والعذر في تركي عليك يعاب
38) بهمّة شوّامٍ الى كَلّ
متعب // سجاياه للمستالمين عذاب
39) خذ حظك الأوفى من المجد
والتقى // فكم تاعبٍ في غيرهن وخاب
40) فالاشيا إلى ربٍّ كريمٍ
وربما // يجي في تصاريف الإله عجاب
41) وصلوا على خير البرايا
محمد // وصيّور ما فوق التراب تراب
ويحتل موضوع الصراع على السلطة بينه وبين أبناء
عمومته حيزا كبيرا من شعر رميزان. هذا الصراع
يعزوه رميزان إلى اختلاف الرأي وتشتت الكلمة
و"استباق المراتب"، كما في القصيدة التالية التي
يقدمها ناسخ مخطوطة الذكير بعبارة "أيضا قال
بالديره". وفي القصيدة يوجه الخطاب إلى "ابا قناع"
الذي يرد اسمه كثيرا في قصائده، لكننا لا نعلم من
هو. ويعود رميزان في هذه الأبيات، كما في الأبيات
السابقة، للافتخار بنفسه وبقومه وأجداده من أجل أن
يثبت كفاءته وأحقيته بزعامة بلده. وفي البيت
التاسع وما بعده يخاطب أبا قناع قائلا له اسأل
لتتأكد بنفسك أنا نحن القادة المقدمون لملاقاة
الأعداء في ميادين الحرب التي تتطلب البسالة
والشجاعة وأنا المقدمون لمقارعة الخصوم في المحافل
التي تتطلب الفصاحة وقوة البيان وأنا الكرماء
والأسخياء وقت الشدائد. وفي الأبيات الأخيرة ينثر
على شكل حكم ونصائح المميزات التي ينبغي أن يتحلى
بها من يطمح إلى الزعامة. ويذكر في نهاية القصيدة
أن الدنيا بخيرها وشرها مداولة بين الناس لذا فإن
الرجل الحصيف من يتحصن ضد اليأس إذا عثر حظه وضد
الطيش والبطر إذا صفا له الزمن. وواضح من البيت
الثاني والعشرين أن رميزان يتحدث من موقع ولي
الأمر الذي يحرص على الرأفة بالرعية والرفق بهم:
01) على الدار تلقى صاحبٍ غير
تاعب // فقل لي فانا فكّرت في غير تاعب
02) فلا عيشٍ إلا في زمانٍ
تقيمه // بمنزلة الضد الغيور المطانب
03) فشم بارقٍ يابا قناعٍ لعله
// سقى الفرع والجوني وجاد المحالب
04) ويالي بطينه من شمالٍ
لعلها // تجاد وما حد الشفا والمراقب
05) منازل بني عمروٍ تميمٍ
ينوبها // من المزن ما عيا على كل غاصب
06) ومجدٍ جِذى عنه المناوي
كما انه // لأبنا تميمٍ بالذرى والغوارب
07) وإن سبّب ايقاع العداوات
بينهم // تخالف الاريا واستباق المراتب
08) ومن يبذل المجهود في نيل
مطلب // فلا لومة اللوما تفيد المطالب
09) وسائل فمن قوّادها كل ما
لفى // للاجناب خطبٍ أو لها من يخاطب
10) وفرسانها في كل غبرا دويسه
// وبيت الندى منها سنين المساغب
11) وحنا خلف يابا قناعٍ ومن
بقى // خلف سلفٍ هانت عليه المعاطب
12) ولا صار منا غير من كان
فعله // جميلٍ ومكسبنا حميد المكاسب
13) نفيد جسيمات العطايا
ونتّقي // بها دون ما يزرى القصير المطانب
14) ونسموا إلى نيل العلا مثل
ما سما // إلى الطلع شوّامٍ سنين المخالب
15) فالاقدار عيناها على جود
فعلنا // والاقدار فينا ما عليهن غالب
16) فكن في جليلات المعاني
وحربها // على الحظ مسلوبٍ مرارٍ وسالب
17) ولا تك مفراحٍ إلى نلت
طوله // جزوعٍ على ما فات فالكل ذاهب
18) وأودع نَوّ الخير ما أنت
أهله // وبالشر شرٍّ والكريم المحاسب
19) ولا تامن آفات الليالي
وغدرها // ترى الكدر ياتي عقب صفو المشارب
20) ولا تامن القوم التي أنت
ضدّها // فربة ما كان الصديق المحارب
21) وكن بالوفا واشتف لأرياك
مسند // فلا راي في من لا يدارى العواقب
22) ورف بالرعايا واخش ما عاب
فعله // وبالك من صحبة رديّ المناسب
23) وكن للمصافي صافيٍ لو نبت
به // صروف الليالي مثل عينٍ لحاجب
24) فعيب بني الدنيا منـاطٌ
فكن بهم // عروفٍ فبالأشيا صحيحٍ وعايب
25) دع النفع في من ترتجي منه
مثله // وحقٍّ بتكريمٍ كريم الرواحب
26) ترى كل من يعطي على قدر
جوده // فلا خير في من راح راجيه خايب
27) وخف صطوة الباري ولا تنس
توبه // فلا خير في من لا يلاقيه تايب
28) وصلوا على خير البرايا
محمد // عدد ما تلاعى الورق فوق الرطايب
وتنفرد مخطوطة الذكير بإيراد قصيدة قدمها الناسخ
بقوله "رميزان بالدار والحرب والتشجيع" ويبدو أنها
تتناول حربا خارجية بين الروضة وأحد جيرانها. بعد
مقدمة طللية ممزوجة بالغزل يقول رميزان "فدع ذا"
معلنا بذلك انتقاله إلى موضوع قصيدته الأساسي.
يفتتح الموضوع بتقريع الخصوم الذين يطمحون إلى
المراتب العليا والزعامة، علما بأن التاريخ لم
يسجل لهم ولا لآبائهم أى "سوالف" تخلد ذكراهم
وتمجد بطولاتهم. هؤلاء ليسوا إلا أناسا ضعاف
العزيمة وضعاف الرأي ومع ذلك يصرون على شن الحرب
وإثارة الفتن. ثم يقول رميزان إنه وعشرين من
جماعته استطاعوا أن يردوا هجوم أولئك الخصوم على
كثرتهم. ويتوسع رميزان في وصف أهوال المعركة التي
دارت بينهم واستحرار القتل. ويعيد رميزان تأكيده
على ضعف تدبير من سعوا إلى محاربته ومحاربة
عشيرته، ويشبههم بأحمق ثمود. وبعدها ينتقل إلى
الافتخار بنفسه وبعشيرته وما يتحلون به من نقاء في
التعامل وشجاعة وسداد رأي وحلم. ويلفت نظر صاحبه
"أبا قناع" إلى ما تنعم به الروضة في ظل قيادته من
رخاء وازدهار حتى صارت قبائل طي وقيس تقصدها
للميرة والاكتيال من تمرها وقت صرام النخيل. ثم
يصف ما تعقبه الحرب وتخلفه من مآسي ومصائب ودمار.
وفي آخر القصيدة يشيد بموقف البدارين من الدواسر
الذين يبدو أنهم وقفوا مع رميزان وجماعته في الحرب
التي تخلدها القصيدة. كما يشيد في البيت قبل
الأخير بموقف آل عبدالله ويقصد بهم، على الأرجح،
ذرية عبدالله الشمري الذي تقول مصادر التاريخ إنه
أسس المجمعة سنة 820هـ، لأنه يذكر وادي منيخ في
البيت الذي قبله:
01) تحقق عرفاني رسومٍ مبيدها
// زمانٍ لياليه الجفا من وكيدها
02) دوارس هذا عامها في منازل
// أواهل في قلبي ولو باد بيدها
03) أوانس أجداثٍ ولو كان حيها
// على الياس مطويّ الحشا من فقيدها
04) منازل واحبّي لها من منازل
// لعيني صفاياها الفنا من صعيدها
05) ولو كان ماضي عامها ساعفت
له // صروفٍ فما الدنيا بيبقى سعيدها
06) غدا في جماد اللي هوى ما
مللته // فريد السجايا انسان عيني فريدها
07) خليلٍ غدا لو ينثني لي
شريته // صعاب المعاني والملاهي ضديدها
08) عليه تهايا الحور لولا ان
حكمه // يجور على روحي مصافى وديدها
09) غدى ما ادري يابا قناع ايش
ذنبه // يكون مع الدنيا الذي كان اعيدها
10) واجل عنك لولا الياس لو
زعمت بنا // هوى النفس همّاتٍ عصينا وعيدها
11) فلم يبد مكنونٍ وغلٍّ من
الحشا // لروحي بلا ضعفٍ بدا في حديدها
12) فلكن بالدنيا شفايا طرايف
// يفتن ولا يغدي فواتٍ طريدها
13) فدع ذا وكن في ذكر من لا
نجد له // سوالف من أسلافنا نستعيدها