الصفحة الرئيسية   |   العنوان   |   السيرة النية   |   المواد التدريسية   |   الأعمال المنشورة   |   مشاريع بحثية   |   مقالات صحفية بالعربية
 
مقالات صحفية في الأدب الشعبي  |   محاضرات عامة   |    ديواني   |    أعمال قيد النشر   |    مراجعات أعمال د. الصويان

Home | Contact | Curriculam Vita | Courses Taught | Publications | Research Projects | Newspaper Articles in SaudiDebate
Newspaper Articles on Folk Literature | Public Lectures | Anthology | Work in Progress | Reviews of Dr.Sowayan's Works

 

الحقبة الجبرية 2

قطن بن قطن والعليمي 

بركات الشريف والشعيبي 

المطوع راعي وشيقر 

فيصل الجميلي

 

قطن بن قطن والعليمي

من فرع الجبريين الذين حكموا في شمال عمان يرد اسم قطن بن قطن (الحميدان 1980:84؛ 1981:212-214) الذي ربما يكون له صلة بالأمير الذي مدحه الشاعر العليمي بقصيدتين نشرهما الحاتم في الجزء الأول من مجموعة (1952، ج1: 37-40). يقول مطلع أحد القصائد:

    يازايرن في عمانٍ قبل ينجالِ // جنح الدجى والملا بالنوم ذهّالِ

ويقول مطلع القصيدة الأخرى:

    ألى ياأيها المترحّلينا // على اكوار النضا ياراشدينا

ولا ندري من هو العليمي هذا ولا ما إذا كان العليمي اسمه أو لقبه. لكن من المؤكد أنه من وادي حنيفة في منطقة العارض، فهو يقول في إحدى قصائده:

    يازايرن في عمانٍ قبل ينجالِ // جنح الدجى والملا بالنوم ذهّال

    ياطول خطوتك من نجدٍ إلى مَلَحٍ // ومن دونك الأرض قفرٍ صحصحٍ خالي

    أنا بوادي عمانٍ عنكِ منتزحٍ // وانتِ بوادي حنيفه عال الاوشالِ

والموقع الذي يرد في نهاية الشطر الأول من البيت الثاني يرد اسمه "ملح" في بعض المخطوطات و"منح" في البعض الآخر. ولم أعثر على أي ذكر لموقع بأي من هذين الرسمين لا في فهارس مجلة العرب ولا في المجاز بين اليمامة والحجاز ولا في معجم اليمامة لابن خميس، ومن المؤكد أن المقصود هو موقع في عمان يسمى "منح" حيث لا يورد ياقوت في معجم البلدان أي ذكر لمنح لكنه يورد مَلَح ويقول عنه "موضع في ديار بني جعدة باليمامة" ويورد أبياتا للشاعر جرير تذكرنا بأبيات العليمي يقول فيها وهو منتزح عن ملح في الغور:

    ياأيها الراكب المزجي مطيته // بلغ تحيتنا، لُقّيت حُملانا

    نهدي السلام لأهل الغور من ملح // هيهات من ملحٍ بالغور مُهدانا

ويثبت العليمي في قصيدته الأخرى انتسابه إلى منطقة العارض حيث يقول:

    من العارض إلى وادي عمانٍ // على هجنٍ مواطيهن حفينا

    إلى قطنٍ معاد الجود قطن // حجاً للجار وريف الممحلينا

في هذا البيت الأخير يسمي العليمي ممدوحه قطن ويصفه بالأريحية والكرم، وهذه رواية ابن يحيى. وتكاد تتفق رواية الربيعي مع ابن يحيى عدا اختلاف طفيف كما يتبين هنا:

    من العارض إلى وادي عمان // على قودٍ مواطيها حفينا

    فقلت الى قطن بن قطن // حجا الجاني وريف الممحلينا

    لجا الوفّاد من شرقٍ وغرب // ابن جبرٍ غناة الوافدينا

وهذه الرواية تؤكد أن الممدوح من أمراء الجبريين. أما نسبته إلى تميم في رواية الحاتم للبيت:

    لقطن معدن الجود قطن // تميميٍّ وريف الممحلينا

فهذا يدخل في باب الخطأ. ونجد في رواية الحاتم لقصيدة العليمي الأخرى التي يمدح بها قطن بن قطن تصريحاً بأن قطن من أحفاد هلال بن زامل، أخي أجود. يقول البيت:

    قطن بن قطن بنخا قطن // ولد هلالٍ عريب الجد والخال

ويروي الربيعي البيت بصورة تتفق مع رواية الحاتم في أن قطن الأب ابن أخ لشخص آخر اسمه قطن:

    قطن بن قطن بن آخي قطن // عيد اليتاما عريب الجد والخال

أما في رواية ابن يحيى للبيت نفسه فإن قطن الأب ليس ابن أخ قطن بل "نجيب قطن" أي ابن قطن مما يعني أن الاسم الكامل هو قطن بن قطن بن قطن. تقول الرواية:

    قطن بن قطن نجيب قطن // ولد هلالٍ عريب الجد والخال

وهذا يتفق مع الرواية التي أوردها سليمان الدخيل في مخطوطته والتي يبدو أنها هي الرواية الصحيحة:

    تنجع إليه ضعاف الممحلين كما // ينجع لابن جبرٍ المضيوم والجالي

    قطن بن قطن بن النخي قطن // ولد عليٍّ نجيب الجد والخال

أي أن "ابن اخي قطن" حسب رواية الربيعي و"بنخا قطن" حسب رواية الحاتم تحريف لعبارة "ابن النخي قطن" في رواية الدخيل وهذا وصف للجد قطن بأنه نخي أي صاحب نخوة. وكلمة نخي من الكلمات التي يكثر استخدامها آنذاك في قصائد المدح. يقول النابغة ابن غنام يمدح محمد بن اجود: صخيٍّ نخيٍّ اريحيٍّ مجرّب // حبيبٍ لبيبٍ للشكالات طالب. ويقول عامر السمين في مدح ابن ماجد: جود ابن ماجدٍ النخيّ إلى// في شدة الوقت كالوب الزمان قسا. ويقول شاعر متأخر: أضاميم احلافٍ مْولين امرهم // أخا المجد عثمان النخي ابن مانع.

أما الخلاف حول ما إذا كان الجد الأعلى للمدوح هو هلال (الحاتم وابن يحيى) أو علي (الدخيل) فهو خلاف ظاهري يزول إذا ما عرفنا أن قطن جد الممدوح اسم أبيه علي واسم جده هلال، وبعض الرواة يقفز علي ويذهب مباشرة إلى هلال لأنه الأشهر. ومن تدبر هذه الروايات المختلفة للبيت ومقارنتها يبدو أن الممدوح هو قطن بن قطن بن قطن بن علي بن هلال بن زامل، والذي نقدر أنه ولي أمر عمان في النصف الثاني من القرن العاشر، ربما في آخره.

ومن الألقاب التي أطلقها العليمي على الأمير قطن "أبو منيف"، يقول في أحد قصائده حسب رواية الربيعي:

    ينخن سور الظعن ابو منيف // والموت يمشي معه قصّاف الآجالِ

ويقول في الأخرى:

    وهذا اطرف عطايا بو منيف // مجوّز علثة المتعلثّينا

ويرد اللقب "أبو منيف" للإشارة إلى قطن أيضا في قصيدة تغلب عليها الفصاحة على بحر البسيط وجدتها في مخطوطة سليمان الدخيل قالها شاعر اسمه موافق يمدح بها قطن. هذا الاتفاق في اللقب "أبو منيف" في قصيدة موافق والقصيدة السابقة برواياتها المختلفة يشير إلى أن ممدوح موافق هو نفس ممدوح العليمي، قطن بن قطن بن قطن بن علي بن هلال.

ونورد هنا قصيدة موافق وهي من الناحية الموضوعية قصيدة مركزة يبدأها بالغزل ولا يشذ عنه كعادة من مر بنا من الشعراء الذين يخوضون في مقدماتهم الشعرية في الحديث عن الطيف والأطلال والمطر وما لاقوه من أهوال في طريقهم إلى الممدوح. ومن الغزل ينزلق موافق برشاقة شعرية في البيت الثاني عشر إلى مدح قطن بأبيات قوية منوها بشجاعته وكرمه والهبات التي حصل عليها منه. ثم يشكو إليه الوشاة الذين فرقوا بينه وبين حبيبه. ولا يفصح الشاعر حقيقة عن مراده فهو يختتم قصيدته مشيرا إلى أن قطن أنبه وأذكى من أن يحتاج إلى شرح وتصريح ليدرك ما يريده الشاعر. وهكذا تنتهي القصيدة وتترك في الذهن إيحاء بأن الشاعر جاء ليشكو إلى قطن من لواعج الحب. والشكوى من الحب وطلب العون في تحقيق اللقاء والوصال مع المحب من المواضيع التي يطرقها شعراء النبط كثيرا في إخوانياتهم ومراسلاتهم الشعرية، وهذا الموضوع يشكل فنا قائما بذاته في التراث الشعري النبطي. لكن هذه المشاكاة الشعرية عادة تكون بين شعراء نظراء وأنداد، أدبياً واجتماعيا. وعادة ما يلجأ الشعراء إلى هذا الأسلوب فيما بينهم حينما يريدون التعرف على بعضهم البعض والتقرب من بعضهم البعض. والتشكي إلى شخص آخر من آلام الحب يعني نوعاً من الندية ورفع الكلفة بين الشاعر وذلك الشخص الآخر. هل وصلت المعرفة والعلاقة بين الشاعر موافق والأمير قطن إلى حد رفع الكلفة؟ هذا ما يوحي به البيت الثالث والعشرين. هذه الصورة تجعل من قطن شخصية قريبة إلى الناس ومحبوبة منهم. ومما يزيد في جاذبية هذه الشخصية أنها نذرت نفسها لمساعدة العشاق والمغرمين، كما تصور ذلك المخيلة الشعبية. وبهذه الآلية تحول قطن بن قطن من شخص تاريخي إلى رمز أسطوري وشخصية خيالية تحاك حولها الكثير من الحكايات الطريفة التي مرت بنا واحدة منها حينما تناولنا قصة أبي حمزة العامري مع زوجته ودور قطن في القصة، على الرغم من البون الزمني الشاسع بين هاتين الشخصيتين. ومما يعزز هذه الأساطير عن شخصية قطن المقدمات الغزلية التي تستهل بها القصائد التي قيلت في مدحه مثل قصائد موافق والعليمي. وفسر المتأخرون هذه المقدمات الغزلية تفسيرا حرفيا دفعهم إلى الاعتقاد بأن كل من لديه مشكلة غرامية ذهب إلى قطن بن قطن يطلب العون منه ويتوسل إليه أن يسعى في تخفيف معاناته ويتوسط له في لم شمله مع من يحب.

ومن الكلمات العامية في القصيدة "سحن" بمعنى "سحق" و"يقادي" أي "يشابه ويماثل" و"يجي" بدلا من "يأتي"، وعبارة "أوي ظن" في البيت الرابع عشر تعني "ياله من ظن وحدس!". ومن الواضح أن حركة الروي هي الكسرة لكن الالتزام بالكسرة في كل أبيات القصيدة يعني ارتكاب أخطاء لغوية شنيعة بمقاييس الفصحى هي كسر الفعل الماضي المبني على الفتح في البيت الأول وكسر المفعول المطلق في البيت الثالث وكسر الفاعل في البيت الثامن، وهكذا. تقول قصيدة موافق:

    01) بان الخليل ومن نهوى عن القمن // ومنه حبٌّ بلاج القلب قد مكن

    02) وفْراق من نهتويه ان بات منتزحا // عنا بعيد النيا محنٌ من المحن

    03) ما ناح نايحه أو راح رايحه // إلا بقى القلب يسحنه الهوى سحن

    04) ولا ذكرت ليالينا التي سلفت // إلا بقى الجسم مني ناحل البدن

    05) ولا طرى أو سرى طيفٌ يذكّرني // لياليا قد مضت في سالف الزمن

    06) ولا تجاوب قمريٌّ مفاجيه // ضيم الزمان ومفجوعٌ على شجن

    07) ولا حدى حاديٌ إلا وقلت له // ياحادي العيس بالله لي عليك عن

    08) حتى تتابع من الأجفان منتثر // دمعٌ يقادي جمانٍ خانه القرن

    09) يجي بغير اختياري لا أرد له // ترعٌ قد احرق حامي فيضه الوجن

    10) من صاحبٍ نازحٍ خال الوصال قصى // عني قد اختلفت في هجره الظنن

    11) والله يدري بحالي لو كتمتها // عن الوشاة مداراةً عن الفتن

    12) خضعت راسي لها كرهاً علَيّ كما // تخضع رقاب العدا لقطن بن قطن

    13) ركنٌ سنادٌ على الشدات مدّخر // إلى علَيّ زمان النابيات عن

    14) ومنه قد نلت نيلاً من حماه ومن // لي فيه ظنٌّ على الشدات أوي ظن

    15) ومن عطاني عطايا من وهايبه // دَعَنّ عني عصاف النايبات عن

    16) ليته يرى أو درى باللي بُليت به // من الوشاة ومن فقد الأليف حن

    17) عرج على التالي عسى ردته // يثني على طايحٍ بالأرض مرتهن

    18) من فوق عبل الشوا سلمٍ معربّها // أوراد حوض وطيس الضرب والطعن

    19) وشيحفٌ آفةٌ زرقا مطرّقة // مسقيةٌ من شبا المرّاد ربع من

    20) وطاسةٌ ناصحٌ صلدٌ مذكّرةٌ // وابو منيفٍ منى ضيف الشتا قطن

    21) نهّاب وهّاب ما تملك أنامله // محمود معروف لى انوى هيبة الوطن

    22) إلا وراعي عطايات تأملها // يوم ولو هزل من جزلها بمن

    23) إليك أشكي أموراً قد بليت بها // والسد ينشر على الخلان ما يكن

    24) الحال تنبيك عن رد السؤال ولا // يغبى على العارف العنوان واللحن

    25) ثم الصلاة على المختار سيدنا // ما لاح برقٌ وما داج الظلام وجن

ويحكي الرواة الشعبيون رواية أسطورية عن صلة الشاعر العليمي بالأمير قطن يجد القارئ نماذج منها في الجزء الثالث من مجموعة منديل الفهيد من آدابنا الشعبية في الجزيرة العربية (1403: 25-26)، وفي كتاب إضمامة من التراث لسعد بن محمد بن نفيسة (1981: 47-52)، وتقول رواية النفيسة والفهيد إن العليمي من العيينة. كما ترد القصة في الجزء الثالث من كتاب أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية لعبد الكريم الجهيمان (1400، ج3: 193-214)، وتقول رواية الجهيمان إن العليمي من القصيم، وفي هذا خلط بينه وبين الشاعر الشعيبي من عنيزة والذي مدح بركات الشريف. ولا يقف الخلط بين العليمي والشعيبي عند تحديد موطنهما، بل إن المرحوم عبدالله الزامل (1398: 120-123) وكذلك النفيسة (1981: 47-52) يوردان ظروف اتصال الشعيبي بالشريف بركات في حكاية تشبه حكاية اتصال العليمي بالأمير قطن. ونتيجة تداخل الأحداث الأسطورية في السرد الشعبي نجد خلطا في أذهان الرواة بين الشاعر الشعيبي وعلاقته بالشريف بركات وبين الشاعر العليمي وعلاقته بالأمير قطن بن قطن. وقد يؤدي هذا التشابه والتداخل إلى الاضطراب لو عمدنا إلى قراءة هذه الشخصيات بمنطق التاريخ. الحكايات التي تنسج حول هذه الشخصيات أقرب إلى التاريخ في شكلها السردي لكنها أقرب إلى الشعر في فك رموزها واستنباط معانيها. التداخل الحادث بين هذه الأساطير، بين هذه الأعمال الإبداعية، لا يختلف في ذلك عن الشعر وما نشاهده من اشتراك القصائد في الموضوعات والصور والتشبيهات والاستعارات وغير ذلك من الأدوات الفنية. لا بد من الاحتكام لمنطق الأدب والفن بدلا من منطق العلم والتاريخ في تعاملنا مع هذه الأساطير. تستعير الأساطير من بعضها البعض المواضيع والأحداث وعناصر السرد مثلما تستعير القصائد من بعضها البعض المقدمات الطللية والغزلية ووصف الرحلة والناقة ومناظر الطرد ووصف الغيث.

وملخص حكاية العليمي مع قطن أن ابن حاكم البلد التي يقطنها العليمي وزوجته وأمها استطاع بذهبه البراق أن يغري أم البنت الجشعة التي أرغمت ابنتها الجميلة والمغلوبة على أمرها على التنكر لزوجها العليمي الذي كانت تحبه لتمهد لزواجها من ابن الأمير. وشد العليمي رحاله إلى أمير عمان قطن بن قطن ليستنجد به ضد الأمير وابنه. فهب قطن لمساعدته واتفق وصولهما إلى البلدة في نفس الليلة التي كانت فيها زوجة العليمي تزف إلى ابن الأمير. فاحتال قطن وتمكن من الوصول إلى مخدع العروسين وقتل ابن الأمير وخلص المرأة منه وردها إلى زوجها. وكادت خطة قطن في الوصول إلى مخدع العروسين أن تفشل حين مرت بالقرب منه حينما كان مختبئا في أحد زوايا المنزل عجوز بدأت تعرك أنفها وتتشمشم وقالت: أشم زبادا من النوع الفاخر الذي لا يتطيب به إلا قطن بن قطن. عندها مد قطن يده إليها من الخلف وفرك رقبتها بحركة سريعة ماهرة فماتت في الحال دون أن تحدث ضجة أو تسيل دما. فأسندها إلى أحد الحيطان وتركها كما لو كانت جالسة وغشاها النعاس. ويقول الفهيد والنفيسة إن اسم زوجة العليمي حصة؛ وهذا أيضا هو الاسم الذي يرد في أحد مخطوطات هوبير في مقدمة القصيدة اللامية التي تقول "أيضا له في قطن يوم تجيه حصه بالرويا".

والقصيدتان اللتان قالهما العليمي في مدح قطن من القصائد الرائجة التي تناولتها أيدي النساخ ونشرت في أكثر من مكان. وقد حاولت التوفيق بين هذه المصادر، مع التركيز على المصادر الخطية، للخروج بنص كامل مستقيم. وبالرغم من ذلك يبقى النص الذي اجتهدت في تحقيقه من المصادر المتاحة لي يعاني الكثير من الخلل والاضطراب. وقد مر بنا في بداية هذا الجزء حينما تحدثنا عن منشأ العليمي وعن من يكون قطن كيف تختلف كلمات الأبيات ورواياتها من مصدر لآخر. ونبدأ بالقصيدة اللامية والتي يتحدد مضمونها في ثلاثة مواضيع: موضوع الطيف والنسيب والذي يستغرق تسعة عشر بيتا ثم المطر من البيت العشرين حتى السادس والعشرين ثم المدح في الأبيات الإحدى عشر الأخيرة. وتخلصه في البيت السادس والعشرين من المطر إلى المدح تخلص بديع لكننا نصادفه كثيرا في شعر شعراء آخرين مثل عامر السمين وجعيثن اليزيدي وغيرهما. أما بالنسبة للبيتين الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين فلا ندري هل تشابههما مع البيتين الرابع والخمسين والخامس والخمسين من قصيدة عامر السمين في مدح قضيب بن زامل من نوع وقع الحافر على الحافر أم هو خلط من الرواة بين القصيدتين اللتين تتفقان في البحر والقافية. والقصيدة قصيدة مدح عادية ليس فيها ما يوحي بأي حال من الأحوال بأن العليمي جاء قطن مستصرخا ليرد له زوجته. حتى المقدمة الغزلية، وهي مقدمة طويلة نسبيا، ليس فيها ما يدل على أن العليمي يقصد بها زوجته، وإنما هي مقدمة تقليدية لا تختلف عن مثيلاتها في القصائد الأخرى. وواضح من هذه القصيدة ومن القصيدة التي سنوردها بعدها أن العليمي وفد على قطن مستجديا لا غير ومدحه أملا في عطائه، كما هي عادة الشعراء مع الأمراء.

والقصيدة على بحر البسيط ولغتها عامية عدا أن الكلمة الأخيرة في صدر كل بيت من أبيات القصيدة تقريبا يلزم نطقها نطقا فصيحا لإقامة الوزن. وقد يمتد النطق الفصيح ليشمل الجزء الأكبر من الصدر، إن لم يكن كله. والصيغة "لا تطع" في البيت التاسع صيغة فصيحة يقابلها في العامية "لا تطيع"، أي أن العامة لا تحذف عين الفعل الأجوف في صيغة الأمر والنهي.

    01) يازايرن في عمانٍ قبل ينجالِ // جنح الدجى والملا بالنوم ذهّالِ

    02) ياطول خطوتك من نجدٍ إلى مَلَحٍ // ومن دونك البيد قفرٍ صحصحٍ خالي

    03) أنا بوادي عمانٍ عنكِ منتزحٍ // وانتِ بوادي حنيفه عالى الاوشال

    04) أهلا هلا مرحبا بالطارش الهاشل // في تالي الليل عندي نافقٍ غالي

    05) حيّه ولا تجعله أتلى مواصله // وان تجعله أوّلٍ ما ييزي التالي

    06) أهلا بمن صابني بالبعد والنيا // له بالضماير مقرٍّ فيه نزّال

    07) يامايث العطر ياغض الشباب ويا // حوريّ الالحاظ ياجرّار الاذيال

    08) وراي انشّد طروشك عنك محتفي // والا انت من جاك ما سايلت عن حالي

    09) قال اقبل العذر مني لا تكذّبني // ولا تطع يالعليمي فيّ الاقوال

    10) والله ما زلّ يومٍ ما ذكرتك به // في طول غيبتك انا انشد عنك واسال

    11) مفجوع ماجوع جسمي منك منتحل // وفي ضميري على فرقاك ولوال

    12) يانور عيني وياسيدي وياسندي // وياهواي ان جرح الحب قتّال

    13) تلّيت عرفه وزندي فوق منكبه // وشربت من فاه علٍّ عقب الانهال

    14) من سلسبيلٍ كما ثلجٍ مخالطه // شهد النحل ديث في مربوب الاطسال

    15) واصبحت كني ملكت الهند مع حلب // مع مصر والشام وما يخزن من المال

    16) يالايمين العليمي في مودّته // ما اظن فيكم ورب البيت عِقّال

    17) لو تنظره نظرتي ما كان تعذلني // وتشهد بقول العليمي والذي قال

    18) مجمول مدلول كاللولو ضواحكه // معزول مهزول خصره طيّب الفال

    19) حيّال ميّال قتّالٍ بنظرته // ما عاضني فيه من أجناسه ابدال

    20) الله يسقي ديارٍ حل جانبها // من مدلهمٍّ طوال الليل هطّال

    21) جرّاف ذرّاف مرتكبٍ سحائبه // تلجب رعوده وبرقه يشعل اشعال

    22) لكن بعياز مزنه يوم تنظره // سفنٍ من الهند جاه الموج من عالي

    23) تشوف نسف الغثا على جوانبه // سفّاح طفّاح شال هشيمه البالي

    24) يسقى الدجاني إلى بركٍ إلى مَلَحٍ // إلى سنامٍ إلى معمورة الجال

    25) من عقب خمسين وشي الزهر مختلف // يشادي لزل الزوالي عند دلال

    26) تعني إليه ركاب الممحلين كمايعني  // إلى قطن المضيوم والجالي

    27) قطن بن قطن بن النخي قطن // ولد هلالٍ عريب الجد والخال

    28) شيخٍ عطاياه جرد الخيل ملبسة // وكل اجرد عطعيطٍ وصهّال

    29) والحمر والتمر صفطٍ من وهايبه // وهجاهج الهجن منتوبات الآصال

    30) خوّاض جمع العدا في كل هيزعة // خرسٍ تجاول بها فرسان الابطال

    31) والبيض فيها كشمس الصبح شارقة // يَنْخَن فوق الْحِنِيْ في حسّها العالي

    32) ينخن سور الظعن ابو منيف قطن // والموت يمشي معه قصّاف الاجال

    33) عسى يباريه في دنياه أربعة // عزٍّ ونصرٍ وتوفيقٍ وإقبال

    34) وملازمٍ كل من عاداه أربعة // غلٍّ وذلٍّ وخذلانٍ مع اقلال

    35) حيثه حبيبٍ لبيبٍ ما وطا زله // ريف المقاوى إلى من جوه هِشّال

    36) ثم الصلاة على المختار سيدنا // ما طاف بالبيت من حرمه ورجال

    37) والآل والصحب ما زار الحبيب وقلت // يازايرن في عمانٍ قبل ينجال

وقصيدة العليمي الثانية في مدح قطن تتفق مع معلقة عمرو بن كلثوم "ألا هبي بصحنك فاصبحينا" في القافية وكلاهما على بحر الوافر. والبيت الثلاثون وما بعده يذكراننا بقول ابن كلثوم في معلقته: متى ننقل إلى قوم رحانا// يكونوا في اللقاء لها طحينا. ولا ندري إذا كان هذا الشبه مجرد اتفاق ومصادفة أم تقليداً واتباعاً ناتجاً عن قراءة واطلاع. ومما يوحي أيضا بأن العليمي رجل متعلم تهجيته لكلمة "غش" في البيت الثامن والستين. إلا أن القصيدة عامية صرف ما عدا قليلا من المفردات الفصيحة أو العبارات والكلمات التي يساعد نطقها بالفصحى على إقامة الوزن، وسوف نجد أن نسبة الفصاحة أقل في هذه القصيدة عن سابقتها. ومن الكلمات الفصيحة كلمة "قرينا" التي ترد في البيت الثالث بمعنى "ضرب من السير" وفي البيت العاشر بمعنى "صديق" أو "رفيق" وفي البيت الخامس والسبعين بمعنى "ند". وفي البيت العشرين يستخدم الشاعر كلمة "يرونني" الفصيحة بدلا من "يشوفونني" العامية، وصيغة النداء "ألى ياأيها" صيغة فصيحة وكذلك الصيغة "عُـجا" في البيت الرابع صيغة فصيحة يقابلها في العامية "عوجوا"، أي أن العامة لا تحذف عين الفعل الأجوف في صيغة الأمر والنهي ولا تستعمل المثنى، كذلك صيغة النهي "لا تلمني" في البيت الخامس والأربعين فصيحة يقابلها في العامية "لا تلومَـنْ". ومع ذلك فإن قصيدة العليمي هذه والقصيدة التي قبلها وتلك التي بعدها قصائد عامية تشير إلى استقرار العامية وتأصلها كلغة شعرية في عصر العليمي. ومع ابتعاد شعر العليمي عن الفصحى فإننا لا زلنا نشعر أنه يمثل مع أبي حمزة العامري، الذي يفتتح بقصائده بداية التأريخ للشعر النبطي، تراثا شعريا وفنيا واحدا. فقصيدة العليمي التي سنوردها الآن هي في الواقع قصيدة نموذجية في عمودها حيث أنها ليست إلا محاولة للتأليف بين أكبر عدد ممكن من العناصر الفنية والموتيفات الشعرية التي كان الشعراء يتداولونها من أيام أبي حمزة ومرورا بابن زيد وجعيثن والسمين.

يبدأ العليمي قصيدته مصورا نفسه واقفا على الطريق في انتظار قافلة ذاهبة إلى عمان ليسير برفقتها إلى هناك. وتأتي القافلة فيتوسل لهم أن يتريثوا قليلا حتى يتم استعداداته للذهاب معهم. ويستطرد في وصف إبلهم النجيبة وصلابتها وصلابة أهلها. ويبرر هذه المجازفة التي تتمثل في الذهاب إلى هذه البلاد البعيدة وتكبد مشاق السفر وأهوال الطريق بأن ذلك، على ما فيه من تعب ونصب، أخف وطأة على نفس الرجل الحر من القعود والكسل الذي يؤدي إلى الخمول والمهانة. وحينما يقل مال الرجل ينظر إليه الناس بانتقاص غير آبهين باستقامته الخلقية ومواقفه الرجولية ورأيه الصائب وشجاعته. المجتمع يحترم الغني ولا يحترم الفقير. هذه هي مشكلة العليمي مع جماعته الذين يتأهب الآن لمفارقتهم. فلابد له أن يخاطر بنفسه ويبحث عن الغنى ليكتسب احترام الناس وتقديرهم. وهو علاوة على ذلك يمتلك من الشجاعة والجلد وحصافة الرأي ما يجعله قادرا على تحمل المخاطرة ومخاوف الطريق. ويتوقف الشاعر هنا قليلا لينثر بعض أبيات الحكمة عن الصفات الرجولية وعن طبائع البشر وعن القيم التي ينبغي أن يراعيها الإنسان النبيل. ويردف قائلا بأن المال لا يوجد مكنوزا إلا عند شحاح الناس وأراذلهم، وقد سبق لنا سماع هذه الشكوى عند أبي حمزة. وشكوى الشاعر من قومه وتذمره منهم موضوع يتردد كثيرا في أشعار الحقبة الجبرية كما في القصيدة التالية وكما مر بنا في قصائد ابن زيد والسمين وفي مقدمة القصيدة التي قالها جعيثن اليزيدي في ذم ابن حراش، وكأن الشاعر بذلك يريد أن يضع نفسه أمام الممدوح في موضع العزيز الذي ذل فهو يستحق الرحمة أو الكريم الذي عثر فهو يستحق الإقالة. أو ربما أنه يريد أن يؤكد أنه، على الرغم من زهد جماعته فيه، رجل صاحب رأي وشجاع ويعتمد عليه ويمكن الانتفاع به لذا يستحسن تقريبه وصلته واصطناعه. وأصبح هذا الموضوع من العناصر الفنية التقليدية التي تقوم عليها قصيدة المدح مثلما كان العذول أو اللُـوّم مثلا عنصرا فنيا من عناصر قصيدة الفخر في شعرنا الكلاسيكي.

وفي البيت الأربعين يبدو وكأن القصيدة تبدأ بداية ثانية. فهو مرة أخرى يتكل على الله ويتأهب للمسير ويركب مطيته. وهنا نصادف مشهدا سبق أن مر بنا في لامية أبي حمزة التي مدح فيها الشريف كبش بن منصور، أقصد مشهد زوجة العليمي وهي تسير وراءه تودعه وتحاوره وتعلن حزنها على فراقه ليتخذ الشاعر من ذلك مدخلا لطيفا إلى المدح واستدرار عطف الممدوح ومروءته. ويمدح العليمي قطن بالشجاعة والكرم ويصف مهابته في أعين المتخاصمين أمامه فلا أحد منهم يستطيع بحضوره وفي مجلسه أن يقتص من غريمه. وفي البيت الرابع والستين يصف العليمي قطن بأنه "مجوّز علثة المتعلثينا". و"العلثة" هي الحيلة التي يلجأ إليها صاحب الحاجة ليدرك بها حاجته. والمقصود الحيل الفنية والطريفة التي يلجأ إليها الشعراء وغيرهم ممن ألحت بهم الحاجة واضطرهم العوز للحصول على عطاء الأمراء الذين يعرفون حقيقة هذه الحيل لكنهم لشهامتهم ومروءتهم يتظاهرون بتصديقها ويقضون حاجة الوافدين والمسترفدين دون التحقق من صحة دعاويهم التي يحتالون بها على الممدوح. وفي البيتين الواحد والسبعين والثاني والسبعين يقول الشاعر بأنه يلوذ بالممدوح من الفقر ومن الخوف مثلما تلوذ الوعول بشعاف الجبال. وهذه أول مرة نصادف هذه الصورة لكننا سنصادفها كثيرا بعد الآن، كما في البيت الرابع والستين من قصيدة محمد بن منيع العوسجي في مدح سعدون بن محمد بن غرير، وكما في البيت الأخير من سينية سعود بن مانع.

    01) ألى ياأيها المترحّلينا // على اكوار النضا ياراشدينا

    02) على هجنٍ هجاهيجٍ هجافٍ // كما وصف القياس إلى حنينا

    03) مشاويحٍ مراويحٍ صلابٍ // على قطع التنايف والقرينا

    04) عُجا لي واوقفا لي فان حالي // براها الهم والعسر المبينا

    05) عسى ياخلتي ننال خير // على اكوار النضا يوم اعتلينا

    06) إلى سرنا يوافقنا السعود // وفال الرشد فال السامعينا

    07) كما احرارٍ من الاوكار طارت // تفوج الجو حينٍ بعد حينا

    08) يْقَطِّعْن الفجوج معوّدات // وفي ذا عبرةٍ للعارفينا

    09) وظربك موج لج البحر أشوى // من الحاجات لادنى الأقربينا

    10) وأشوى من قعودي بالهوان // وشوف الحيف ياتي من قرينا

    11) فلا مثلي يقيم بربع دار // على ذلٍّ وهو ثقةٍ ذهينا

    12) يشوف الهنقمه بين الرجال // خسيس القدر مسفوه مهينا

    13) مَعَ ناسٍ كما رجلٍ غريب // لملفوظي وقولي سافهينا

    14) إلى جادلتهم لجّوا جميع // ولا لي بالجماعه من يعينا

    15) وكم من سفلةٍ يلوي لسانه // يتهزّا بي وذا أمرٍ بطينا

    16) فلا لي في ملايمهم صلاح // إلى عادوا بحالي زاهدينا

    17) أبيع اوطانهم بيعة قلاط // وأهجرهم على طول السنينا

    18) ولا في خاطري رقٍّ ولين // لملايمهم زمان وكل حينا

    19) إلين ارد من عسري ليسري // انشاء الله رب العالمينا

    20) عسى يرونني في حال خير // بمد أفضال من جوده عنينا

    21) وافرّح كل من هو لي صديق // واغِمّ قلوب من لي حاسدينا

    22) ترى الكفّين لو خلين يوم // فهن اليوم الاخر يمتلينا

    23) وكم صادمت في برٍّ وبحر // مخافه من شمات الشامتينا

    24) بعزمٍ في ضحى حامي الهجير // على الانضا ومرٍّ بالسفينا

    25) عسى في غيبتي مفتاح خير // وعمر العبد له حتنٍ وحينا

    26) فليس يموت ابو عشرٍ بخمس // وهذا عند كل العارفينا

    27) ثلاث خصال بي حرصٍ عليهن // إلى عِدّ الرجال بهن أبينا

    28) إكرام الضيف في عسر الليالي // وضرب بالسيوف إلى بلينا

    29) فلا يومٍ تضعضع لي مقام // ولا أوري العدا رقٍّ ولينا

    30) إلى دارت رحى قومٍ علينا // صبرنا له وقلنا يامعينا

    31) والى دارت على قومٍ رحانا // طحنّاهم ودقّقْنا الطحينا

    32) وكل رجال باسماهم رجال // ولا هم بالمراجل متّسينا

    33) ترى فيهم رجال وفيهم انذال // وترى خيار الرجال المستحينا

    34) ولا مدح الرجال بكثر مال // ولا تذمّهم من قل شينا

    35) وراع المال محشومٍ مطاع // وكذبه عندهم ما هوب شينا

    36) هفت لاجواد في هذا الزمان // والانذال الهفايا معتلينا

    37) وصار المال عند اوباش قوم // نجوسٍ ما بهم دنيا ودينا

    38) وكل مرابيٍ ما فيه خير // كثير الهذر حلافٍ مهينا

    39) نطول خطول من بعيد // إلى ما عاد له مطلوب دينا

    40) على الله اعتمادي واتكالي // مجيبٍ مطلب المتوكلينا

    41) عزمت وشمت والله لي عوين // فياسعد الذي هو له عوينا

    42) ركبت مطيّتي ثم التفت // إلى ان عشيرتي تمشي الهوينا

    43) تباريني كما بدرٍ منير // سبت قلبي بعرنينٍ وعينا

    44) تزج الدمع من عينين نجل // فقلت اضفي الغطا لا تفضحينا

    45) فقالت يالعليمي لا تلمني // ترى قلبي من الفرقا حزينا

    46) فقالت آه من فقد الوليف // فلا بدّه يعاود للحنينا

    47) فقلت اني لكم جمّاع خير // أجيكم بالغنايم سالمينا

    48) فقالت يافدى روحي ومالي // متى ارجي زولك الغالي يجينا

    49) فقلت اجي براي الله سريع // قريبٍ لا تباطين السنينا

    50) فقالت لي بتيسير الإله // فهو ربي أمان الخايفينا

    51) وودّعتك إله ما يخون // وداعة عين راعية الجنينا

    52) عسى ياقاك شر الحادثات // إله الناس محيي الميتينا

    53) وقالت سر تراك وداعة الله // لعلك تنثني والحال زينا

    54) فقلت عوايد الله الجميله // فياما قد تغرّبنا وجينا

    55) من العارض إلى وادي عمان // على قودٍ مواطيها حفينا

    56) وقالت يالعليمي من نويت // بنشر الحمد بين العالمينا

    57) فقلت اني نويت ابن الكرام // ولولا فضل جوده ما عنينا

    58) قطن هو معدن الجود بن قطن // حجا الجاني وريف الممحلينا

    59) لجا الوفّاد من شرقٍ وغرب // ابن جبرٍ غناة الوافدينا

    60) صخيّ الكف شغمومٍ كريم // بشوش الوجه وجهه ما يشينا

    61) أقل عطاه بزٍّ من حزوف // ونقد ألوف من حمرٍ تجينا

    62) نقود آلاف ما يحصى عداده // قياسٍ في عقول الذاهنينا

    63) صخى بالجيش والخيل الاصايل // جمارٍ من غياها جاذبينا

    64) وهذا اطرف عطايا بو منيف // مجوّز علثة المتعلّثينا

    65) وكل من هو وفد يثني عليه // إلى جو يم اهلهم غانمينا

    66) لكن مضيفته موسم بلاد // بها بدوٍ وحضرٍ قاطنينا

    67) وكلٍّ شاكيٍ حاله إلى جا // يلوذ بضف زبن الخايفينا

    68) بجون بمجلسه لَمّا جميع // وكلٍّ في ضميره غين شينا

    69) أهل دعوى واهل طلاب ثار // واهل دينٍ واهل طعن وطعينا

    70) ولا يِعْوِج خصيم الى خصيمه // مخافه من ملاذ اللايذينا

    71) نلوذ ونلتجي به من هموم // بنكبات الزمان إلى بلينا

    72) كما تلجي وعولٍ في طويق // مخافة من وراها الذاعرينا

    73) والى امحل ذا الزمان فله جفان // على الضيفان تِنْقَل كل حينا

    74) غريريٍّ قطاميٍّ شجاع // ذرى الفرسان من ضرب السنينا

    75) خيال الموت أشوى من خياله // إلى ما لَدّ عينه للقرينا

    76) نهار الكون طعّانٍ شجاع // ومن رمحه غدى كم من طعينا

    77) هشيم القوم في دربه رجوم // تُرى بالقاع صرعى جاثمينا

    78) وصلى الله على سيد قريش // نبي الحق أزكى العالمينا

ووجدت في مخطوطات ابن يحيى قصيدة غزلية للعليمي لم يسبق نشرها وهي أيضا على بحر الهزج مع بعض الاضطرابات التي تعود إلى أخطاء النساخ، كما في المصراع الثاني من البيت الأول.

    01) بدا بالقيل من قلبه حزينِ // وجيع في حب الطفلتينِ

    02) لاقنّي فجنّي عيد الاضحى // وداسنّي بذرعان اليدين

    03) بمقرن سكّتينٍ صادفنّي // خذن الروح معهن قسمتين

    04) عليهن زَيّ ما شفته بعمري // يكود بهن نسج الخشفتين

    05) أنا قلت البدر والشمس قطعا // وهذا اللي تحقّق في يقيني

    06) فلما درت انا شوفي وبصري // إلى هن الحباب الطفلتين

    07) يساون مملكة قيصر وكسرى // وشرق وغرب عند المثمنين

    08) وانا من عرضهم أفدي بروحي // وعمري والجسم والمقلتين

    09) طويلات الذوايب والترايب // لهن شيٍّ كما فنجال صين

    10) طويلات العنوق مسلوعات // هضيمات البطون مظمّرين

    11) خميصات الوسوط من المكالي // ثقيلات النهوض بقبتين

    12) تشوف الدر وصط الثغر يوضي // ومديوث الشهد بالشفتين

    13) ضربني واحدٍ منهم بلحظه // وشرّعني بسيف الحاجبين

    14) ضربني لحظةٍ من قلب مصخر // صفح خَدّي ولجلج لي بعيني

    15) فلما أن تيقّنّي وعرفني // نقض مجدولةٍ مثل العريني

    16) سكرت ودخت ما ادري وين ايمم // ولا اعرف الخنين من الرنين

    17) رشفني ريحته وذهلت عقلي // وخمر الروس نوجات الخنين

    18) سألت وقلت اهلكم باي يِمّه // ظعنكم شال والا مرتعين

    19) عطين الصدق ياغر الثنايا // عساكم مسعدين ومرشدين

    20) عطون الصدق قالوا شرق اهلنا // يمين الجال شفهم نازلين

    21) وحنا ناخذ قلوب الهبايل // وعلى ذبح العيال معلمّين

    22) ونوري بالجوق من غير شين // نهيّض به غرام الدايخين

    23) وغير الشوق ما تلقى ورانا // ياكود البرق يقضب باليدين

 أعلي

بركات الشريف والشعيبي

بركات الشريف شخصية فذة بز أقرانه ومعاصريه من الشعراء والفرسان. وعلى الرغم من شح الأخبار الموثقة عن بركات التاريخي فإن الذاكرة الشعبية خلقت منه رمزا لكل معاني الإباء والشمم والفحولة الشعرية. وحفظت لنا المخطوطات الشعرية ثلاث قصائد لبركات؛ اثنتان من هذه القصائد، تلك التي قالها في جواده وتلك التي قالها متغزلا، لا بأس بهما. لكن قصيدته البائية بوصل الهاء قصيدة جزلة ومؤثرة لا يسأم الرواة من تردادها ولا يتوقف متذوقو الشعر النبطي عن الاستمتاع بسماع أبياتها وتدبر معانيها والاعجاب بما تحتويه من نبل وسمو. وللأستاذ أحمد العريفي دراسة هي أوفى ما كتب عن بركات الشريف واستطاع من خلالها أن يلقي بعض الضوء على شخصية هذا الشاعر الأمير ويصحح بعض ما يتعلق به من أخطاء تاريخية.

من الأخطاء الشائعة اعتقاد كثير من الرواة أن بركات الشريف من أشراف مكة. والواقع أنه من أمراء الدولة المشعشعية. بعد أن يستشهد بأبيات متفرقة أخذها من قصائد بركات يقول العريفي (1413: 7) إن بركات لا يمكن أن يكون من الأشراف الذين حكموا مكة خلال القرنين العاشر والحادي عشر لأنه حسيني بينما ينتمي أشراف مكة من بني قتادة إلى الحسن بن علي. ونسب بركات الشريف هو بركات بن مبارك بن مطلب بن حيدر بن المحسن بن محمد بن فلاح المشعشعي أحد أمراء الدولة المشعشعية التي تأسست عام 840هـ على يد محمد بن فلاح القرشي الهاشمي وامتد نفوذها على مناطق الحويزة وعربستان لمدة خمسة قرون. (العريفي 1413: 11).

ومما يسند القول بأن بركات من أمراء المشعشعين ذكر الشاعر الشعيبي لمعاركه مع الترك (الروم) في السويق التي يقول العريفي إنها تصحيف السويب وهي قلعة على نهر بالعراق يحمل هذا الاسم. وحينما يحدد الشعيبي مسار رحلته إلى بركات نجده يتجه إلى الشمال من منطقة القصيم، مما يعنى أنه ذاهب جهة العراق لا الحجاز، كما يقول في البيتين التاسع والثلاثين والأربعين من قصيدته المسماة القرنفلية. وفي البيت الثاني والخمسين من نفس القصيدة يذكر الفيحا، أي البصرة، كإحدى المحطات التي يتوقف فيها في طريقه إلى بركات.

وقد سجلت بعض المصادر المنشورة نتفا من الأساطير التي ترددها المصادر الشفهية عن بركات الشريف وحياته وعلاقته مع والده وزوجة والده ( الفهيد، 1413: 44-46، النفيسة 1981: 17-20، (Socin I: 125. وينفرد الربيعي من بين نساخ المخطوطات بإيراد نتف من الحكايات الأسطورية التي تحاك حول بركات والتي لا تختلف كثيرا عما جاء في المصادر المنشورة. وفي تقديمه لقصيدة بركات المثبتة في الصفحة 32 من المخطوطة الخامسة يقول الربيعي عنه إنه من شعراء أواخر القرن الحادي عشر. وفي تقديمه لقصيدة الشعيبي في مدح بركات المثبتة في الصفحة 101 من المخطوطة الثامنة يقول الربيعي "مما قال الشعيبي في بركات الشريف في ثامن القرن". وفي الصفحة 299 من المخطوطة الثامنة يقدم الربيعي نفس القصيدة بقوله "مما قال الشعيبي راعي عنيزه في بركات الشريف سنة 1085". وهذه ثلاثة مواضع ترد فيها المعلومة ذاتها عند الربيعي بصيغ مختلفة، والمعلومة هي أن بركات من شعراء آخر القرن الحادي عشر. وفي تقديمه لقصيدة الشعيبي في مدح بركات يحدد الربيعي وقت هذه القصيدة مرة بقوله "سنة 1085" ومرة بقوله "في ثامن القرن". في التقديم الأخير لم يخطئ الربيعي في الحساب لكنه أخطأ الفهم والتعبير. كان بحسه الشعبي وأسلوب تفكيره العامي يعتقد أن الرقم العشري الذي هو ثمانون في الرقم خمس وثمانين هو الذي يشتق منه تسمية العقد فتصبح بذلك السنوات من واحد وثمانين إلى تسع وثمانين سنوات العقد الثامن من القرن وليس التاسع. وحسب تفسير الدكتور عبدالله الفوزان فقد وقع الشاعر حميدان الشويعر في خطأ مماثل في قوله من قصيدته الاعتذارية لابن معمر "شاهدت بالحادي شياطين مذهب// محاريث سوٍ بل نجوسٍ مناجسه". يقول الفوزان في شرحه لهذا البيت "ولكون الدلائل تشير إلى أن القصيدة قالها الشاعر في مطلع القرن الثاني عشر، فإن تفسير اللبس هو أن الشاعر -في اعتقادي- يظن أن القرن الثاني عشر هو الحادي عشر، وسبب الخطأ هو الرقم (11) الذي يتصدر بداية تاريخ القرن الثاني عشر "1120هـ" وهكذا." (الفوزان 1408: 112). ومن الأدلة الأخرى على هذا الخطأ الشائع المقدمة التي كتبها سليمان بن محمد الهطلاني في الجزء الثالث من مجموع شعراء عنيزة الشعبيون للشاعر شايع الحسن الخالدي والتي يقول فيها "عاش في القرن الحادي عشر الهجري وفي قصيدته التي بين أيدينا يستحث ابنه حسن للقدوم إليه ويمدح أمير الجناح رشيد الذي الذي حكم من 1155 حتى 1174هـ." (الهطلاني 1415، ج3: 49).

وتفيد المصادر التاريخية الموثوقة أن زمن بركات أقدم مما تصوره الربيعي. وليس من المستبعد أن هذا الوهم الذي وقع فيه الربيعي أتى نتيجة تصحيف الرقم 1085 عن الرقم 1025، خصوصا أن كتابة الرقم 2 قديما تشبه كتابة الرقم 8 حديثا. والرقم 1025 هو التاريخ الذي توفي فيه مبارك، أبو بركات. ومات بركات قبل أبيه سنة 1024 وقيل 1019هـ.

ولا أحد ينكر أن بركات الشريف شخصية حقيقية لها وجود تاريخي. ولكن بحكم تميزه في مجال الفروسية وقول الشعر استقطب اهتمام القصاص ومع مرور الوقت صارت تنسج حوله حكايات أسطورية غلفت شخصيته التاريخية حتى طمستها. وتعنقدت هذه الحكايات الأسطورية وتداخلت في بعضها البعض لتشكل سردا شفهيا مختصرا عن نشأة بركات ومآسيه ومغامراته البطولية. وأول عقدة يحاول السرد الشفهي لحياة بركات حلها هي كيفية التوفيق بين وجوده، الثابت تاريخيا، في منطقة الأهواز وبين كونه شريفا من الأشراف حيث تكاد تقتصر دلالة كلمة "الشريف" في المخيلة الشعبية على أشراف مكة والمدينة. يقول أحمد العريفي:

إن لقب الشريف كما هو معروف يسبق اسم كل من ينتمي إلى آل بيت النبي ص في أي بقعة من الأرض. . ولكن لهذا اللقب مدلول خاص في وسط الجزيرة، فهو يعني بالتحديد أمير مكة من عائلة الأشراف الحاكمة في الحجاز.. فإذا قيل الشريف (هكذا مجردا) اتجهت الأذهان تلقائيا إلى أحد أمراء الحجاز.. كما هو الحال في إطلاق ألقاب (ابن سعود) و(ابن رشيد) و(ابن صباح) و(ابن عريعر).. الخ، والمقصود في كل ذلك الأمراء الحاكمين منهم وليس كل من ينتمي إلى تلك الأسر. ولهذا اعتقد الناس أن بركات لا بد وأن يكون من أمراء (أشراف) الحجاز! (العريفي 1992: 31-32).

هذا الفهم المحدود لدلالة لقب "الشريف" هي البذرة التي فرخت الأسطورة الشعبية. كيف يفسر الرواة الشعبيون سر انتقال بركات من مكة إلى الأهواز؟ لا بد من سبب لهذا الانتقال، لا بد من دافع. هنا تطل علينا الأسطورة التي تقول إن بركات شب فتى وسيما في حضن والده مبارك، شريف مكة، أو عمه حسب رواية أخرى. وكانت امرأة أبيه قد صَـبَـت به وصارت تتحين الفرصة لمراودته عن نفسها. وصدها بركات ولما طال إلحاحها شجها في وجهها. وخافت الزوجة أن يجهر بركات بخيانتها أمام والده فقررت أن تستبقه. وجاءت بجربوع صغير سلخت جلده ولطخت جثته بالدماء ولفتها. وحينما عاد الشريف مبارك إلى البيت تظاهرت الزوجة بأنها تعاني من آلام مبرحة وأرته الجربوع الملفوف مدعية أنه جنينها أسقطته في محاولتها الدفاع عن نفسها حينما هاجمها بركات بعنف وقسوة بغية النيل منها. غضب مبارك من بركات وقسى عليه في الكلام وأهانه في مجلسه. هذا ما حدا ببركات إلى الابتعاد إلى منطقة الأهواز. وتذكرنا هذه الأسطورة بأسطورة مماثلة جرت لعمرو بن قميئة مع عمه مرثد بن سعد بن مالك والتي يرويها صاحب الأغاني على النحو التالي:

كانت عند مرثد بن سعد بن مالك عم عمرو بن قميئة امرأة ذات جمال، فهويت عمراً وشغفت به ولم تظهر له ذلك، فغاب مرثد لبعض أمره -وقال لقيط في خبره: مضى يضرب بالقداح- فبعثت امرأته إلى عمرو تدعوه على لسان عمه، وقالت للرسول: ائتني به من وراء البيوت، ففعل، فلما دخل أنكر شأنها، فوقفت ساعة ثم راودته عن نفسه فقال: لقد جئت بأمر عظيم، وما كان مثلي ليدعى لمثل هذا، والله لو لم أمتنع من ذلك وفاءاً لعمي لأمتنعن منه خوف الدناءة والذكر القبيح الشائع عني في العرب. فقالت: والله لتفعلن أو لأسوأنك، قال: إلى المساءة تدعينني، ثم قام فخرج من عندها، وخافت أن يخبر عمه بما جرى، فأمرت بجفنة فكفئت على أثر عمرو، فلما رجع عمه وجدها متغضبة، فقال لها: مالك، قالت: إن رجلا من قومك قريب القرابة جاء يستامني نفسي ويريد فراشك منذ خرجت، قال: ومن هو؟ قالت: أما أنا فلا أسميه، ولكن قم فاقتف أثره تحت الجفنة، فلما رأى الأثر عرفه. (الأصفهاني 1981؛ 18:77).

وتدور الأيام وتسير الأحداث مما يؤدي بشكل أو بآخر إلى أن يتولى بركات حكم الأهواز. ثم يأتيه الخبر أن أباه أحاطت به الأعداء مما يهدد بزوال ملكه. هنا تبرز شهامة بركات ونخوته. نسي ما حدث له من أبيه وهب حالا لمساعدته قاطعا كل هذه البراري الشاسعة الموحشة من الأهواز إلى حيث كانت تدور رحى الحرب بين أبيه وخصومه. ويباشر بركات المعركة ضد الأعداء في النهار متنكرا لا يعرفه أحد، ولا حتى أبيه. وفي الليل ينام مع ابنة عمه التي يبدو أنه تزوجها قبل مغادرته مكة لكنه لم يصطحبها معه إلى الأهواز. وكان بركات كلما طعن فارسا من الأعداء وجندله عن فرسه لا يأخذ الفرس لكنه يحتفظ بلجامها. ولما انتهت المعركة وانهزم الأعداء انصرف بركات دون أن يعرفه أحد أو يعلم بوجوده. لكنه قبل أن يغادر أعطى أعنة الخيل لابنة عمه كدليل على وجوده معها. لو حدث أنها حملت من مضاجعته لها كل تلك الليالي التي قضياها معا خلال وجوده لمدافعة الأعداء عن أبيه من سيصدق كلامها ويعتقد براءتها لو حاولت إقناعهم دون أن يكون تحت يدها دليل مادي؟ الدليل المادي الوحيد الذي يمكن أن تبرهن به على صدق قولها هو هذه الأعنة التي في حوزتها. وحالما رأت الفرسان يقودون الخيول التي قتل بركات أصحابها ويدعون أنهم هم الذين قتلوهم وأخذوا خيولهم لم تطق صبرا وسارعت بإظهار الأعنة لتضع حدا لهذه الادعاءات الباطلة. ولما علم مبارك بأن ما حدث كان بسبب وجود ابنه سارع في تجهيز ركائبه ليلحق به ويطلب منه العودة إلى بلاده. وتصالح الاثنان لكن بركات لم يشأ التفريط بملك الأهواز واستمر ملكا هناك.

ومن يتتبع شعر بركات يستشف أن علاقته مع أبيه مرت بمرحلة من التوتر لكن التفسير الذي تقدمه الأسطورة لهذا الجفاء غير مقنع تاريخيا. كانت لهجة بركات تجاه أبيه في قصائده لهجة مفعمة بالوقار والتقدير والاحترام والافتخار المطلق بالانتساب إليه. هذا يوحي بأن الأمور بينهما لم تتعد مستوى العتاب والشره إلى مستوى الهجر والقطيعة. والمتتبع لمصادر التاريخ الموثوقة يستنتج أن أزمة بركات مع أبيه كانت أزمة عابرة أولا لأن المصادر لم تورد أي ذكر لهذه الحادثة وثانيا لأن المصادر تؤكد اعتماد مبارك المطلق على ابنه في تدبير شؤون مملكته، خصوصا في آخر أيامه. يقول جاسم شبر، مؤرخ الدولة المشعشعية، عن بركات إنه كان "ذا رأي وتدبير ثاقب، قدمه والده على الأباعد والأقارب مفوضا إليه جميع أمور الدولة، ولم يخالفه قط . . . وقد كان عفيفا تقيا وشجاعا مقداما ظهرت شجاعته في المعارك التي خاضها مع أبيه ضد آل غزي وهو صغير السن ومع قابليته هذه لم ينازع إخوته على الولاية والحكم، بل كان عونا لهم في الملمات والشدائد، وحل المنازعات." (العريفي 1992: 24).

وعلى الرغم من النسيج الأسطوري الذي يغلف شخصية بركات فإنه لا يراودنا أدنى شك في نسبة شعره، حتى وإن اختلفت رواية قصائده من مصدر لآخر. وفي تلك الفترة الحرجة، فترة خلافه مع أبيه، قال بركات أجمل قصائدة والتي يعدها النقاد درة من درر الشعر النبطي وهي قصيدته البائية بوصل الهاء.

كثيرا ما يبدأ شعراء النبط قصائدهم بأبيات يعبرون فيها عما يمرون به من معاناة نفسية وذهنية. وغالبا ما يكون المقصود هو المعاناة الإبداعية المتمثلة في بحث الشاعر عن الصور الفنية الجميلة والقوالب اللفظية المناسبة التي يصب فيها رسالته الشعرية. لكن هناك حالات يكون المقصود فيها ما سببه الحدث الباعث على قول القصيدة من ألم نفسي. تتلخص معاناة بركات في أن أباه، أقرب الناس إليه وأجدرهم بحبه وثقته واحترامه، يضعه في موقف صعب بإهانته له في مجلسه المكتظ بأشراف القبيلة وأعيانها. وهذا يضع بركات في مأزق، فهو إما أن يقبل الإهانة ويركن إلى الدعة والراحة في حماية العشيرة وإما أن يقدم على المخاطرة ويضرب دروب الهلاك مبتعدا عن أبيه الذي أهانه وعن العشيرة التي أهين أمامها. الخيار الثاني ليس سهلا ولما فيه من المخاطر نهاه أصحابه عن تجشمه. لكن أنفة بركات وعزة نفسه تأبيان عليه الإقامة في دار الذل والهوان. أيّا من هذين الخيارين لا بد أن يحسب له بركات ألف حساب ولا بد أن يقلبه على كل وجه. هذه مرحلة حرجة في حياة بركات تجعله يعيد حساباته في كل شيء ويعيد تقييمه للأمور وشؤون الحياة. هذه التجربة تبين لنا أصالة بركات ونبله وقوة عزيمته فهو يصمم على اختيار طريق الشرف الصعب مخالفا بذلك نصحائه الخلص الذين يشفقون عليه وعلى حياته.

بعد هذه التوطئة ينتقل بركات لمدح والده ليدلف بعد ذلك إلى معاتبته معاتبة رقيقة على ما بدر منه تجاهه. والبيت السابع عشر يوحي بأن بركات يحاول أن ينفي عن نفسه تهمة ألصقها به الوشاة وصدقها والده ويؤكد لوالده أنه لم ينكر جمائله قط ولم تحدثه نفسه يوما بالإساءة إلىه، وهذا أمر يرفضه بركات أصلا لأن من واجب الابن تجاه أبيه ألا يغضبه. وتحمل المخيلة الشعبية زوجة الأب مسؤولية إيغار صدر مبارك ضد ابنه. ويبوح بركات بأن عتابه لوالده دافعه ما سمعه منه من توبيخ وكلمات جارحة ووصفه إياه بأنه "ثبر"، وهذه صفة تطلق على الإنسان الخامل الذكر والضعيف العزيمة والقليل الحيلة، ومنها اشتقوا فعل الأمر "انثبر" الذي يوجه بقصد التبكيت والتحقير لأي شخص يحاول التطاول على الآخرين أو القيام مقاما أعلى من مقامه.

وفي البيت الخامس والعشرين يعلن بركات عن عزمه على الرحيل والابتعاد عن أبيه. وموضوع الصرم والقطيعة والرحيل يتردد كثيرا في الشعر العربي القديم وفي الشعر النبطي، وقد ورد في أبدع أمثلته في لامية الشنفرى ومعلقتي طرفة ولبيد. وهو موضوع يتمشى في قيمته الفنية ووظيفته النفسية مع طبيعة الحياة البدوية الرعوية التي تقوم على التنقل والترحال وتؤكد الاستقلالية والاعتماد على النفس. ولا ندري هل نفذ بركات تهديده بالرحيل أو أنه طرحه كمجرد خيار يمكن اللجوء إليه عند الضرورة. لكن الرواة الشعبيين التقطوا المعنى الحرفي لهذا التهديد ونسجوا حوله أسطورة ابتعاد بركات عن أبيه في مكة وذهابه إلى الحويزة.

وكلمة "خطوب" في البيت السابع والعشرين كلمة فصيحة تعني عظائم الأمور والمصائب التي تعترض أصحاب الهمم الرفيعة وتحول دونهم ودون الوصول إلى ما يريدون. واستخدام بركات لهذه الكلمة بمعناها الفصيح ينم عن ثقافته واطلاعه على دواوين الأدب العربي. لكن هذه الكلمة اندثرت في الاستخدام العامي ولم تعد مفهومة للرواة الأميين الذين يتناقلون شعر بركات. لذا تحورت هذه الكلمة معنى ومبنى على ألسنة الرواة الأميين إلى الكلمة التي تقاربها في اللهجة العامية وبموجب ذلك تحولت العبارة "لو كثرت خطوبي" على ألسنة هؤلاء الرواة وفي بعض المخطوطات إلى "لو قلت اخطبوا لي" مما فتح الباب أمام التخريجات التي أدت إلى تثبيت هذا الخطأ في الفهم اللغوي والتاريخي بدلا من تصحيحه. فهناك من اعتقد أن بركات طلب من والده أن يخطب له زوجة ومنهم من فهم المقصود بالخطبة الدعاء لولي الأمر في خطبة الجمعة. فقد فهم العريفي مثلا أن سبب المغاضبة بين بركات ووالده "وشاية وصلت الأخير تتهم بركة بمحاولة الإطاحة بوالده وتولي حكم الإمارة! والخطبة لفلان (في قوله لو قلت اخطبوا لي) تعني في اعتقادي تولية الإمارة حيث كان تعبيرا شائعا أن يقال قطعت الخطبة لفلان وخطب لفلان بمعنى أن الإمارة انتقلت من الأول إلى الأخير." (العريفي 1992: 30). وهكذا نجد أن الفهم الخاطئ لكلمة "خطوب" وكلمة "الشريف" قبلها لعب دورا في تشكيل الأسطورة التي أحكم الخيال الشعبي نسجها حول شخصية بركات.

وابتداء من البيت الثامن والعشرين يصور بركات المواقف التي يعرف فيها والده قدره وشجاعته وحاجته إليه. وقد تكون هذه الأبيات هي الأساس الذي بنت عليه المخيلة الشعبية حادثة تضييق الأعداء على مبارك وكيف هب ابنه بركات لمساعدته رغم ما بينهما من جفاء. ونلاحظ أن بركات لا يلجأ إلى استدرار العطف من والده ولا يخاطب فيه عاطفة الأبوه وإنما يذكره بمواقفه معه وفداحة الخسارة التي سيجنيها الأب من تفريطه بابنه، وكأنه يتمثل بقول الشاعر: أضاعوني وأي فتى أضاعوا؛ أو قول الآخر: سيذكرني قومي إذا جد جدهم// وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. وبنفس الدرجة من التأكيد على حاجة والده له نجد بركات يؤكد استقلاليته واكتفاءه ذاتيا واستغناءه بنفسه وقوة عزيمته وعلو همته عن الآخرين. فهو يعود في البيت الأربعين إلى موضوع القطع والصريمة ويلجأ إلى صورة طريفة ليعبر فيها عن الوحشة التي تباعد بين الناس والبغضاء التي تفرقهم فتتباعد منازلهم وتنقطع الزيارة بينهم فيصبحون غرباء عن بعض حتى أن كلاب الحي تنكرهم لأنها لم تعد تذكرهم ولا تذكر رائحتهم فتنبحهم كما تنبح الأغراب وتمنعهم من الوصول إلى المنازل. ويجسد البغضاء على شكل عقرب تبحث عن أي جسم حي لتنهشه وتنفث فيه سمومها. وفي الأبيات الأخيرة من القصيدة يحاول بركات أن يوجز على شكل حكم مقتضبة بعض العبر والدروس التي استفادها من تجربته الأليمة.

    01) عفا الله عن عينٍ للاغضا محاربه // وقلبٍ دنيفٍ زايد الهم شاعبه

    02) أسهر إلى نام المعافى ومدمعي // كد انهلّ من فوق النضيرين ساكبه

    03) أقول لما عيل صبري ولجّ بي // رفيقٍ شفيقٍ جيّداتٍ مذاهبه

    04) دع العذل عني يانصوحي وخلّني // فشرواك ما يرضى هوانٍ لصاحبه

    05) إذا ما هدانٍ أضعف البعد عزمه // يعيش بذلٍّ راكبٍ فوق غاربه

    06) شهرت عن الزهدا وهي لي فِضِيّه // ولا يدفع المخلوق ما الله كاتبه

    07) وقد قلت لما اشرفت ذات عشيةٍ // على مرقبٍ عالى الذرى من مراقبه

    08) فيامبلغ عني ذوى الجود والصخا // ومن شب شارات المعالي مكاسبه

    09) مبارك زبون الجاذيات ابن مطلب // ذرى الجار والجالين عن كل نايبه

    10) ثم ابلغه مني سلامٍ مضاعف // عدد ما همل وبل السما من سحايبه

    11) وقل ياحمى دنّ السبايا من القنا // إلى احمَرّ من عود البلنزا ذوايبه

    12) يامورد الأسياف بيضٍ حدودها // ومصدّره حمرا من الدم شاربه

    13) يازبن راعي عودةٍ قصّرت به // مْعَقّبِةٍ في تالي الخيل تاعبه

    14) ياكعبة الوفّاد للضيف بالقسا // إذا النذل ذلّ ولاذ واغضى بحاجبه

    15) إلى قلّ درّ المرزمات وأجدبت // وقل الحيا واوقات الامحال كاهبه

    16) بنيت لنا بيتٍ من العز شامخ // سل الله ألا يهدم الضد جانبه

    17) لا تحسب اني بعد حسناك والرضا // أبغضبك بالدنيا ولا هيب واجبه

    18) فلا شك جاني منك ملفوظ كلمه // على حضرة الرمّاق والخلق قاطبه

    19) تقول لي ياثبر وانا غذوّتك // ولا ثِبْرٍ الا من يفاجي قرايبه

    20) ولا ثِبْرٍ الا من يهد وينثني // في ساعةٍ والهوش حامٍ جوانبه

    21) وعاتبتني من غير ذنبٍ جنيته // عساه يحظى بالغنى من تعاتبه

    22) أراك تعاتبني ولا دست زله // والغير لو داس الخنا ما تعاتبه

    23) ترى عرق وجهي وجاهي وشيمتي // معي حاضره بالوجه ما هيب غايبه

    24) ولا ني غويٍّ بك ولا بي سفاهه // عزيزٍ ولا نفسي لدنياك طالبه

    25) وانا اخترت بعد الدار في نازح النيا // ولا قولةٍ بركات كد هين جانبه

    26) وفي كل دارٍ للرجال معيشه // والارزاق كافلها جزالٍ وهايبه

    27) وربك لو كثْرت خطوبي فإنني // صِبِيّ الشقا ما لان للضد جانبه

    28) عساك تذكرني إلى جاك ضيقه // وجا المال يحدى جافلٍ من معازبه

    29) ولك بان مركاضي إلى اشرفت للعدا // وتماوجت بالعج فيها سلاهبه

    30) بيومٍ كداجي الليل ضافي قتامه // فيه السبايا كالخواطيف لاعبه

    31) كأن القنا ما بين ذولا وبيننا // كما أرشية بيرٍ طوالٍ مجاذبه

    32) وريش القنا حومه كغربان دمنه // على رمَمٍ بين الخميسين عاطبه

    33) تسمع هويد الخيل من شد وقعها // كصلصال رعدٍ في مثاني سحايبه

    34) وانا فوق قبّا تقحم العود عندل // شعوا مرفّعْةٍ طوالٍ حواجبه

    35) طويلة عظم الساق وافي شبورها // لها مثل عرف الديك طوعٍ أجاذبه

    36) لي فوقها درعٍ ونصبٍ وطاسه // وسيفٍ بيمنى أبلجٍ يستلاذ به

    37) مع طول عشرٍ فيه زرقا سنينه // كما النجم تاضي في دجى الليل ثاقبه

    38) بيومٍ فرح بي من يودّون حضرتي // إلى شاف ما يكره والاضداد حاضبه

    39) والى ما شكت روس البلنزا من الظما // سيفي ورمحي من دما الضد شاربه

    40) فالى نبحتنا من قريبٍ كلابهم // ودبّت من البغضا علينا عقاربه

    41) نحيناه باكوار المطايا ويَمّمت // بنا صوب حزمٍ صارخاتٍ ثعالبه

    42) بيومٍ من الشعراء يستوقد الحصا // تلوذ بأعضاد المطايا جخادبه

    43) قلته على بيتٍ قديمٍ سمعته // على مثل ما قال التميمي لصاحبه

    44) إذا الخل أورى لك صدودٍ فأوره // صدودٍ ولو كانت جزالٍ وهايبه

    45) وكن عنه أغنى منه عنك ولا تكن // جزوعٍ إلى حقّت بالاقفا ركايبه

    46) ترى ما يعيب الدوحه الا من اصلها // وما آفة الإنسان إلا قرايبه

    47) ولا قلته الا والركايب زوالف // عن الواش والحساد والنجم قاطبه

    48) موت الفتى في كل دو سِمَلّق // خليٍّ من الأوناس قفرٍ جوانبه

    49) قفرٍ يحير به الدليل مخافه // شجر المفالي طامساتٍ مراقبه

    50) على الرجل أشوى من قعوده بديره // يقيم بها والذل دومٍ مطانبه

    51) من قلّط الهندي ومن وخّر العصا // جلى الهم واصبح نازحٍ عن قرايبه

    52) ومن وخّر الهندي ومن قلّط العصا // يصبح بذلٍّ راكبٍ فوق غاربه

    53) خاطر بنفسك في لقى كل هيّه // تحوش الغنايم والمقادير غالبه

    54) فلا خطرٍ يومٍ بيدني منِيّه // ولا حذرٍ ينجي من الموت صاحبه

    55) وشم واغتنم واطلب من الله بالدجى // فهو خير من يعطى العطايا لطالبه

    56) وصلوا على خير البرايا محمد // نبي الهدى وازكى قريشٍ مناسبه

وواضح من أبيات هذه القصيدة أن بركات يعاني جرحا عميقا بسبب سوء ظن والده به وأن ما لقيه من والده أكبر من كونه مجرد إهانة صغيرة. ويعود بركات إلى الموضوع ذاته في قصيدة أخرى على بحر الهزج يبدأها بمدح جواده ثم ينتقل إلى التعبير عن تأثره بما حدث بينه وبين أبيه ويشير في الأبيات الأخيرة إلى أن أباه كان يهينه ويحط من قدره. وبأسلوب لطيف يحاول بركات أن يذكر أباه بأن تربية الأبناء من مسؤولية الآباء وأن الأب الذي يشمت بابنه إنما هو في واقع الأمر يشمت بنفسه ويؤكد على فشله في تنشئة فلذة كبده تنشئة صحيحة. ولا يستبعد أن مبارك كان يسيء معاملة بركات لسبب لم ترصده المصادر التاريخية، أو ربما كان يقسو عليه في المعاملة إلى حد مبالغ فيه حينما كان شابا ليعوده على الخشونة والصلابة. ولربما عاد السبب إلى أن مبارك، الأب الحنون والشيخ المحنك، كان يشفق على إبنه الشاب ويحاول الحد من اندفاعه وطيشه وردعه عن طموحاته التي تبدو أكبر من طاقته وقدراته نظرا لحداثة سنه وقلة خبرته. وغالبية النساخ يقدمون هذه القصيدة في مخطوطاتهم بعبارة "وله في جواده"، وهذا هو ما يبدو لأول وهلة لأن الخمسة عشر بيتا الأولى من القصيدة تتحدث عن الفرس وعدة الحرب. لكن موضوع الق