أقدم النماذج الشعرية
بنو هلال
والشعر النبطي
أبو حمزة
العامري
إذا كان أقصى مرامنا أن نتبين متى تفشت العامية في
الجزيرة العربية لدرجة أنهم صاروا ينظمون بها
شعرهم فإنه حسبنا العثور ولو على بيت واحد من
الشعر العامي الذي نعرف بدون شك نسبته والعصر الذي
قيل فيه. وهنا تتجه الأنظار عادة إلى مقدمة ابن
خلدون التي ظلت حتى الآن من أهم وأقدم المصادر
التي يمكن الاستفادة منها لسد الفجوة الزمنية
الواسعة التي تفصل ما بين الشعر الجاهلي والشعر
النبطي. إلا أن هناك دلائل تشير إلى أن الشاعر أبا
حمزة العامري ربما كان أقدم من ابن خلدون وبذلك
يكون رائد شعراء النبط وأقدم شاعر نبطي حفظ لنا
التاريخ شعره، هذا عدا أن أقدم نص يرد فيه مسمى
"نبطي" للدلالة على هذا الشعر هو بيت من أبيات أحد
قصائد أبي حمزة، مما يدل على شيوع التسمية
وتداولها منذ ذلك الوقت.
بنو هلال والشعر النبطي
ابن خلدون (1988، ج1: 805-816، ج6: 23-24، 32، 62)
هو أول من نبه، وإن بصورة مقتضبة عاجلة، إلى أهمية
دراسة شعر البدو وأورد في مقدمته وفي بداية الجزء
السادس من تاريخه عينات من قصائد بدو بني هلال.
إلا أن هناك بعض التساؤلات التي لا بد من التحقق
منها قبل البت النهائي في دقة ما ذكره ابن خلدون
في مقدمته عن الشعر البدوي بوجه عام وفي قيمة
المقطوعات التي أوردها كنماذج لبدايات الشعر
النبطي وشعر السيرة. من هذه التساؤلات مثلا: متى
قيلت هذه الأشعار؛ أثناء التغريبة أم بعدها؟ من
قالها؟ هل هم الأشخاص الذين تنسب إليهم أم أحفادهم
الذين أرادوا تسجيل أمجاد أسلافهم وتخليد ذكراهم؟
هل الأسماء التي نسب ابن خلدون هذه المقطوعات
إليها شخصيات حقيقية لها وجود تاريخي أم أنها من
اختراع القصاص ومنشدي السيرة؟ هل تلقى ابن خلدون
المقطوعات التي أوردها مشافهة من الرواة أم أنه
عثر عليها مخطوطة؟ هل هذه الأشعار بداية الشعر
النبطي أم بداية شعر السيرة؟
وقد اختلف العلماء والمختصون حول طبيعة هذه
الأشعار الهلالية وقيمتها التاريخية. يرى الدكتور
عبدالحميد يونس في كتابه الهلالية في التاريخ
والأدب الشعبي أن القصائد الهلالية التي أوردها
ابن خلدون تمثل الطور الغنائي الخالص للسيرة
الهلالية والذي كان سائدا قبل القرن السادس الهجري
وتلاه من بعد القرن الثامن الطور القصصي. ويرى
يونس أن ما ذكره ابن خلدون في مقدمته وفي تاريخه
عن بني هلال قد لا يكون دقيقا من الناحية
التاريخية لكنه "يدل بجلاء على أن سيرة بني هلال
كانت حية نامية من الناحية الأدبية على الأقل في
عهد هذا المؤرخ الكبير." (يونس 1968: 138).
أما علماؤنا في نجد والجزيرة العربية فإنهم يرون
أن النماذج الشعرية التي أوردها ابن خلدون تمثل
المرحلة الانتقالية من الشعر الفصيح إلى الشعر
النبطي. وأول من ألمح إلى هذا الرأي وأوعز به خالد
الفرج في مقدمته لمجموعة ديوان النبط: مجموعة
من الشعر العامي في نجد حيث يقول "على أن أقدم
ما وصل إلينا من الشعر العامي في نجد هو أشعار بني
هلال وما أورده لهم ابن خلدون في مقدمته من أشعار
لا تختلف عما هي عليه الآن أشعار أهل نجد." (الفرج
1371، ج1: ز-ح). وقد دفع شيخنا أبو عبدالرحمن بن
عقيل بهذه الفكرة إلى حدودها اللامعقولة في تأكيده
على أنه تم تصدير هذه الأشعار الهلالية من المغرب
إلى الجزيرة العربية لتصبح النواة التي أنبتت
الشعر النبطي، أو هكذا يفهم من قوله:
لغة العرب في عصر ابن خلدون بالمغرب
وغيره هي بداية البداية للشعر العامي بلهجة أهل
نجد.
وفد هذا الشعر العامي إلى نجد ولم يصدر
منها، وتعشقته قبائل نجد بتأثير السحر الملحمي
الأسطوري في أدب اللغة الهلالية في عهود الفروسية
العربية.
واعتبرتُ هذا الشعر الهلالي العامي
بداية البداية، لأن فيه ما ليس من عامية أهل نجد.
(ابن عقيل 1402:51).
وبعد أن يورد بعض النماذج من شعر بني هلال يردف
ابن عقيل قائلا:
إن شكل هذه القصائد ومنهجها هو المثال الذي احتذاه
الشعر العامي بلهجة أهل نجد . .
وبدراسة عاجلة للشعر الهلالي الذي دونه ابن خلدون
أو دونته الأسطورة ثم مقارنة ذلك بالدراسة العاجلة
للشعر العامي النجدي في بدايته فإن نتيجة المقارنة
تسلمنا إلى الجزم بأن الشعر العامي بلهجة أهل نجد
وليد الشعر الهلالي العامي. (ابن عقيل 1402:
51-52).
لقد سرد ابن خلدون النماذج التي أوردها في مقدمته
من الشعر البدوي بطريقة مضللة إلى حد ما قد توهم
القارئ المستعجل بأن هذه النماذج تنتمي إلى نفس
الجنس. إلا أن هذا المسرد يمكن تقسيمه إلى ثلاثة
أجناس: 1) قصيدة المرأة الحورانية والتي تقف في
مواجهة بقية القصائد وتتميز عنها في كونها تأتي
فعلا من بادية الجزيرة العربية وليس من بادية
المغرب وهي بذلك تعتبر مثالا جيدا لبدايات الشعر
النبطي، وإن كانت هي المثال الوحيد الذي يقدمه ابن
خلدون على هذا اللون من الشعر البدوي، أما القصائد
الهلالية فإن منها 2) أشعارا ذاتية تاريخية لا نشك
في نسبتها وهي التي نعتبرها بدايات شعر الملحون في
شمال أفريقيا، ومنها 3) أشعار تدخل في نطاق السيرة
الهلالية وتعتبر الإرهاصات الأولى لها.
مما عزز توهم علمائنا أن القصائد الهلالية التي
أوردها ابن خلدون في مقدمته تمثل في مجملها بدايات
الشعر النبطي تأكيده على أن شعر البدو في عصره
يمثل امتدادا طبيعيا للنمط الجاهلي في نظم الشعر.
ويوحي طرح ابن خلدون النظري وكما عبر عنه في
مقدمته بأنه يتحدث عن الأشعار التي يتداولها أبناء
البادية في الجزيرة العربية. لكن ما ساقه من قصائد
هلالية يؤكد أن حديثه عن شعر البدو جاء بناء على
معايشته لبقايا بادية بني هلال في بلاد المغرب
وليس بدو الجزيرة العربية بالذات والذين من المرجح
أن معرفته بهم آنذاك لم تكن مباشرة. وقد أشرنا من
قبل إلى انقطاع رحلات الطلب وإلى أن الجزيرة
العربية أصبحت منذ زمن بعيد مغلقة وشبه معزولة عن
العالم الخارجي. ومع ذلك فإنه من الواضح أن ابن
خلدون حاول أن يستقصي الوضع في بادية الجزيرة
العربية ويتعرف على الأسماء المتداولة في شمال
الجزيرة وشرقها لهذا اللون من الشعر. يقول ابن
خلدون في مقدمته:
أما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم
من مضر، فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر
الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون
منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من
النسيب والمدح والرثاء والهجاء ويستطردون في
الخروج من فن إلى فن في الكلام. وربما هجموا على
المقصود لأول كلامهم وأكثر ابتدائهم في قصائدهم
باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون. فأهل أمصار المغرب
من العرب يسمون هذه القصائد بالأصمعيات نسبة إلى
الأصمعي راوية العرب في أشعارهم. وأهل المشرق من
العرب يسمّون هذا النوع من الشعر بالبدويّ
والحوراني والقيسي. وربما يلحّنون فيه ألحانا
بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقيّة. ثم يغنّون
به ويسمون الغناء به باسم الحورانيّ نسبة إلى
حوران من أطراف العراق والشام وهي من منازل العرب
البادية ومساكنهم إلى هذا العهد. (ابن خلدون 1988،
ج1: 805-806).
التسميات التي يوردها ابن خلدون في الاقتباس
السابق ليست من اختراعه وإنما كانت متداولة بين
الناس في بوادي الجزيرة العربية فسجلها وحفظها.
وربما كانت هذه التسميات متداولة بين عرب بني هلال
توارثوها من أجدادهم الذين جلبوها معهم من الجزيرة
العربية. ويورد ابن خلدون هذه الأسماء بصورة
مقتضبة وسريعة مما قد يقود إلى الخلط في المفاهيم
بالنسبة للأسماء التي قال بأن أهل المشرق
يستخدمونها في الإشارة لما أصبحنا الآن نسميه
بالشعر النبطي. أرى أن "قيسي" و"بدوي" من الأسماء
التي تطلق على هذا الشعر كفن أدبي، وهو ما يقابل
قولنا "نبطي" أو "عامي" أو "شعبي". أما "حوراني"
فإنه، على ما يبدو من كلام ابن خلدون في الاقتباس
السابق، اسم لحن من الألحان التي يغنى بها هذا
الشعر، مثل قولنا "صخري" في أحد ألحان الربابة
المنسوبة إلى قبيلة بني صخر، أو قولنا لحن "جوفي"
نسبة إلى الجوف، وهكذا. ونسبة الشعر إلى قيس
وحوران قد لا تخلو من دلالة لها أهميتها. من
المعروف لدى علماء العربية أن منطقة حوران في شمال
الجزيرة العربية ومنطقة البحرين في شرقها، حيث
تسكن قبائل قيس، من مناطق الأطراف البعيدة عن
مناطق الفصاحة القحة والاستشهاد اللغوي في قلب
الجزيرة العربية. فمنذ أيام الجاهلية كانت لغة عرب
تلك المناطق لا يحتج بها ولا يعدون من العرب
الفصحاء بمقاييس النحويين القدماء وعلماء اللغة
الكلاسيكيين. وتدل الشواهد على أن اللحن بدأ يتفشى
في عربية سكان تلك الأطراف قبل نجد ووسط الجزيرة
وكان كلامهم أسرع في التحول من النسق الفصيح إلى
النسق العامي. ولكن هذا لا ينفي أن أصل الشعر
النبطي عربي لا نبطي وأنه امتداد للشعر العربي
القديم، لأن القبائل التي جاءتنا منها أقدم نماذجه
قبائل عربية وليست نبطية، وإن "فسدت" لغتها. هذا
عدا كون هذه النماذج تمثل مرحلة انتقال طبيعية
متدرجة من الفصحى إلى العامية. ويؤكد ابن خلدون
على أن حوران من منازل عرب البادية ومساكنهم،
بمعنى أنه حتى لو جاء هذا الشعر من منطقة حوران
التي تقع على أطراف العراق ومشارف الشام فإن من
يتعاطونه وينظمونه ويتغنون به هم من عرب البادية
الأقحاح وليسوا من الأنباط ولا من شعراء الحاضرة.
كما تشير المسميات "قيسي" و"بدوي" على عروبة هذا
الشعر وأعرابيته، فلا أحد يشك في بداوة قبائل قيس
ولا يطعن في انتمائها إلى الجنس العربي.
رغم اهتمام ابن خلدون على المستوى النظري بوضع
الشعر لدى بدو الجزيرة العربية فإن جل ما قدمه من
قصائد جاء من بدو شمال أفريقيا وليس من بدو
الجزيرة العربية. الاستثناء الوحيد هي المقطوعة
الأخيرة من النماذج التي يسوقها في المقدمة، وتقع
في ستة أبيات فقط. ويقدم ابن خلدون المقطوعة بقوله
"ومن شعر عرب نمر بنواحي حوران لامرأة قتل زوجها
فبعثت إلى أحلافه من قيس تغريهم بطلب ثأره". هذه
المقطوعة القصيرة هي المثال الوحيد الذي يأخذه ابن
خلدون من بدو الجزيرة العربية، وبحكم أنها جاءت من
بادية حوران شمال الجزيرة العربية تكون أقرب
النماذج إلى ما نسميه الآن بالشعر النبطي ولذلك
يمكن اعتبارها نموذجا جيدا يمثل بدايات الشعر
النبطي ويعكس اللغة الشعرية بين بدو الجزيرة
العربية في طور انتقالها من الفصحى إلى العامية.
وبقياس الماضي على الحاضر فإن في حوران وإلى عهد
قريب شعر لا يختلف عن شعر البادية في الجزيرة
العربية إلا بقدر ما يمليه اختلاف اللهجة. وقد قمت
في عام 1993 بزيارة إلى منطقة السويداء وجبل العرب
في سورية وجمعت من هناك سوالف وأشعاراً مما يدخل
في صميم الموروث النبطي/البدوي في تعريفه الشمولي.
وقبل أن نورد قصيدة المرأة الحورانية نود التنبيه
على أن معظم القصائد الهلالية التي وردت في مقدمة
ابن خلدون وتاريخه قد نال منها التحريف والتصحيف
لدرجة لم يعد من السهل قراءتها وإقامة وزنها
وفهمها والتحقق من لغتها وطريقة التلفظ بها.
وصفحات المقدمة التي ترد فيها القصائد الهلالية من
أصعب الصفحات على المحققين ولا نجد بين جميع النسخ
المطبوعة والمحققة والمترجمة من المقدمة من لا
يخطئ أخطاء فادحة في كتابة هذه الأشعار وفهمها، بل
إن بعض المحققين يقفز الفصل الذي ترد فيه هذه
الأشعار ولا يورده البتة. وعند العودة إلى بعض
النسخ المخطوطة من المقدمة بدأ يساورني الشك في أن
ابن خلدون نفسه ربما لم يكن متمكنا كل التمكن من
فهم ما يخطه قلمه من أشعار بدوية. ابن خلدون
فيلسوف موسوعي لا نتوقع منه أن يجيد كل فن أو علم
يتطرق إليه إجادة تامة ويحيط بكل دقائق الموضوع
وتفاصيله المتشعبة. أدرك ابن خلدون ببصيرته
العلمية ونظرته الفلسفية أهمية الأشعار التي سمعها
من بدو بني هلال أو تلقاها منهم كتابة، لكنه بحكم
ثقافته الفصيحة وحياته المدنية كان بعيدا عن نطق
هذه الأشعار نطقا صحيحا وفهمها فهما دقيقا، ولذلك
فلربما ارتكب بعض الأخطاء في كتابتها، كما تشير
إلى ذلك النسخ المخطوطة من مقدمته. ومما يفاقم
المشكلة بالنسبة للنسخ المنشورة أن المحققين
والمترجمين أبعد بكثير من ابن خلدون عن فهم هذه
الأشعار مما يزيد في مراكمة الأخطاء. وفي رأيي أن
هذا الجزء من المقدمة يحتاج تحقيقه إلى متخصص له
معرفة بالشعر النبطي ولغته ليتمكن من توجيه المعنى
وإقامة الوزن في الأشعار الهلالية وكتابتها كتابة
صحيحة وشرحها شرحا دقيقا، نظرا لقربها من الشعر
النبطي في اللغة والبناء الفني. من له اطلاع على
الشعر النبطي مثلا سوف يقرأ "كن السفا" بدلا من
"كان الشفا" في عجز البيت الثاني من أبيات
الحورانية، ويقرأ "أياحيف" بدلا من "أياحين" في
بداية البيت الأخير. ولقد حاولت أن أصحح بنفسي بعض
الأخطاء في النماذج التي أوردتها في هذا الفصل
ووضعت خطا تحت هذه التصحيحات ليتنبه لها القارئ.
تقول المرأة الحورانية:
تقولُ فتاة الحيّ أمّ سلامةٍ
// بعينٍ أراع اللهُ من لا رثى لها
تبيت طوال الليل ما تالف الكرى
// موجّعةٍ كن السفا في مجالها
على ما جرى في دارها لابو
عيالها // بلحظةِ عينِ البينُ غيّرَ حالها
فقدنا شهاب الدين ياقيس كلكم
// ونمتوا عن اخذ الثار ما ذا مقالها
انا قلت اذا ورد الكتاب يسرني
// ويبرد من نيران قلبي ذبالها
أياحيف تسريح الذوايب
واللحى // وبيض العذارى ما حميتوا جمالها
ومما يسترعي الانتباه في أبيات الحورانية أمران؛
أولهما أنها تنتسب إلى قيس، وأحد الأسماء التي
أوردها ابن خلدون لهذا اللون من الشعر مسمى
"قيسي". والأمر الآخر أنها من منطقة حوران التي
تنسب إليها بعض الألحان التي يغنى بها هذا الشعر
كما يقول ابن خلدون في الاقتباس السابق "وربما
يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصناعة
الموسيقية. ثم يغنون به ويسمون الغناء به باسم
الحوراني نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشام
وهي من منازل العرب البادية ومساكنهم إلى هذا
العهد". وتؤكد بعض مخطوطات المقدمة أن المرأة
الحورانية بدوية وتقدم القصيدة بقولها "ومن شعر
عرب البرية" بدلا من "عرب نمر". وهذا مما يجعل من
هذه الأبيات نصا نفيسا دلالته بالغة الأهمية
بالنسبة لنشأة الشعر النبطي وبداياته الأولى. من
أهم هذه الدلالات أن فصاحة هذا النص الذي يحتل
موقعا وسطا بين الفصحى والعامية ليس مردها إلى
التعليم والدراسة لأن القائلة بدوية أمية والبدو
عادة لا يتعلمون في المدارس، وبالأخص نساءهم. كما
أن عامية النص ليس مردها إلى أن القائلة من النبط
أو العجم، بل هي أعرابية من قيس. نستطيع أن نقول
بكل ثقة واطمئنان إننا أمام نص شفهي أبدعته قريحة
أمية لغتها فطرية سليقية. أي أن هذا النص يعكس
حقيقة الوضع الذي كانت عليه لغة الشعر البدوي في
ذلك العصر، وهي لغة لم تفقد كل مقومات الفصاحة لكن
شوائب العامية بدأت تظهر عليها بوضوح، لا من حيث
النحو ولا من حيث المفردات والعبارات. استقامة
الوزن مثلا تتطلب منا تشكيل بعض الكلمات وتحريكها
حسب النظام الفصيح في النطق. وفي الوقت نفسه تحتم
علينا استقامة الوزن نطق بعض الكلمات نطقا عاميا.
هذا عدا بعض العبارات العامية مثل "كن السفا"،
"ياحيف"، "بيض العذارى"، الخ. كما أنها تتمشى من
الناحية اللهجية مع كلام أهل الجزيرة، على خلاف
القصائد الهلالية التي بدأت تظهر عليها سمات لهجة
أهل المغرب، كما سنرى بعد قليل.
ونحن لا نعرف متى قتل الرجل الذي رثته زوجته
الحورانية، لكن من المحتمل أن ذلك حدث قبل زمن ابن
خلدون بفترة غير قصيرة. وبذلك تكون هذه المقطوعة
من أقدم النماذج التي وصلتنا من الشعر العامي من
بادية الجزيرة العربية وهي تقدم برهانا قاطعا على
أنه في القرن الثامن الهجري، عصر ابن خلدون
(732-808هـ)، كانت العامية قد طغت وأصبحت لغة
الشعر في الصحراء العربية وبادية الشام. وشيوع
التسميات "قيسي" و"حوراني" و"بدوي" بين أهل
المشرق، كما يقول ابن خلدون، يفيد تفشي هذا الشعر
الملحون قبل وقت ابن خلدون بين أبناء القبائل
البدوية في شرق الجزيرة العربية وشمالها؛ لأن
مواطن القبائل القيسية، كما هو معروف، هو شرق
الجزيرة وشمالها، وبادية حوران هي المنطقة الفاصلة
بين شمال الجزيرة وبلاد الشام.
ما عدا قصيدة المرأة الحورانية فإن باقي النماذج
التي أوردها ابن خلدون في مقدمته كلها من أشعار
بني هلال بعد هجرتهم إلى المغرب العربي. ومن
المعلوم أن بني هلال وبني سليم بدأوا هجرتهم من
جزيرة العرب على شكل موجات بشرية منذ نهاية القرن
الرابع الهجري وكانت لغتهم، فيما يقال، فصيحة
آنذاك وشعرهم فصيح. وبعد مرورهم على العراق والشام
واستقرارهم لبعض الوقت في مصر اجتازوا إلى المغرب
في أواسط المائة الخامسة. أي أن ابن خلدون جاء
ليكتب عن بني هلال وسليم بعد حوالي أربعمائة سنة
من تركهم لجزيرة العرب وثلاثمائة سنة من استقرارهم
في المغرب. أي أن هذه القصائد كلها جاءت في وقت
متأخر ربما تجاوز مائتي سنة من قدوم بني هلال إلى
المغرب بعد أن بدأت لهجة الهلاليين في شمال
أفريقيا تختلف عن لهجة أسلافهم في جزيرة العرب
وبعد أن قطعوا صلتهم بعرب الجزيرة. من بين هذه
النماذج قصائد قالها المتأخرون منهم، وبعضهم ممن
عاصرهم ابن خلدون. وهذه لا نشك في نسبتها ولا في
تاريخية الأحداث التي تتطرق إليها ولا في حقيقة
وجود الأشخاص الذين قالوها أو وردت أسماءهم فيها.
هذه القصائد ينسبها ابن خلدون إلى قائليها من
رجالات بني هلال الذين عاصر بعضهم والذين يذكر
أسماءهم ويحدد المناسبات التي قالوا فيها قصائدهم.
من هذه القصائد قصيدة يوردها ابن خلدون قبل قصيدة
المرأة الحورانية لأمير من أمراء بني هلال كان قد
وجهها إلى منصور ابو علي. ويقدم ابن خلدون للقصيدة
بقوله "ومن شعر علي بن عمر بن إبراهيم من رؤساء
بني عامر لهذا العهد أحد بطون زغبة يعاتب بني عمه
المتطاولين إلى رياسته". ومنها هذه الأبيات (وقد
صححت كلمة "يشوف" في الشطر الأول من البيت الثالث
لتصبح "يشوق" كما صححت كلمة "شرب" في السطر الثاني
من البيت الرابع لتصبح "سرب"):
ألى ياربوعٍ كان بالأمس عامر
// بحيٍّ وحلّه والقطين لمام
وغيدٍ تداني للخطا في ملاعب //
دجى الليل فيهم ساهرٍ ونيام
ونعمٍ يشوق الناظرين التمامه
// ليا ما بدا من مفرقٍ وكظام
وغدفٍ دياسمها يروعوا مربّها
// واطلاق من سرب المها ونعام
واليوم ما بيها سوى البوم
حولها // ينوحوا على اطلالٍ لها وحمام
وقفنا بها طورٍ طويلٍ نسالها
// بعينٍ سخينٍ والدموع جمام
ولا صح لي منها سوى وحش خاطري
// وسقمي من اسبابٍ عرفت وهام
ومن بعد ذا تدّي لمنصور بو علي
// سلامٍ ومن بعد السلام سلام
ويقدم ابن خلدون القصيدة السابقة لهذه القصيدة
بقوله "ومن قول خالد (بن حمزة بن عمر شيخ الكعوب)
يعاتب إخوانه في موالاة شيخ الموحدين أبي محمد بن
تافراكين المستبد بحجابة السلطان بتونس على
سلطانها مكفولة أبي اسحق ابن السلطان أبي يحيى
وذلك فيما قرب من عصرنا". ونورد منها هذه الأبيات:
يقول بلا جهلٍ فتى الجود خالد
// مقالة قوّالٍ وقال صواب
مقالة حَبْرٍ ذات ذهنٍ ولم يكن
// هريجٍ ولا فيما يقول ذهاب
تفوّهت بادي شرحها عن مآرب //
جرت من رجالٍ في القبيل قْراب
بني كعبٍ ادنى الأقربين لدمّنا
// بني عم منهم شايب وشباب
لاحظ في البيت الثاني استخدام "ذات ذهن" بدلا من
"ذو ذهن"، وتنتشر ظاهرة استخدام الأسماء الخمسة
بطريقة خاطئة في الشعر الهلالي وكذلك في الشعر
النبطي القديم. كما نلاحظ اختلاف قاموس الشعر
الهلالي عن قاموس الشعر النبطي في استخدام كلمات
مثل "هريج" في الشطر الثاني من البيت الثاني بمعنى
ثرثار وكلمة "قبيل" في الشطر الثاني من البيت
الثالث بمعنى قبيلة.
وترد قبل هذه القصيدة قصيدة أخرى لخالد بن حمزة
يقدمها ابن خلدون بقوله "ومن أشعار المتأخرين منهم
قول خالد بن حمزة بن عُمر، شيخ الكعوب، من أولاد
أبي الليل، يعاتب أقتالهم أولاد مهلهل ويجيب
شاعرهم شبل بن مسكيانة بن مهلهل، عن أبيات فخر
عليهم فيها بقومه". ونورد منها الأبيات التالية:
يقول وذا قول المصاب الذي نشا
// قوارع
قيفانٍ يعاني صعابها
مغربلةٍ عن ناقدٍ في غضونها //
محكّمة
القيفان دابي ودابها
وهيّض بتذكاري لها ياذوي الندى
// قوارع من شبلٍ وهذي جوابها
ياشبل جتنا من حذاكم
طرايف // قرايح
يريح الموجعين الغنا بها
فخرت ولم تقصر ولا أنت عادم //
سوى قلت في جمهورها ما أعابها
وقد صححت كلمة "قيعان" في الشطر الثاني من البيت
الأول ومن البيت الثاني بكلمة لها معنى ودلالة وهي
"قيفان" بمعنى قوافي، أي أبيات شعرية، وهي كلمة
معروفة لدى شعراء النبط؛ كما صححت كلمة "فراح" في
بداية الشطر الثاني من البيت الرابع لتصبح "قرايح"
أي أشعار من القريحة؛ وفي الشطر الأول من البيت
الرابع لم يتبين لي معنى البيت في المصادر
المخطوطة والمطبوعة لذلك وجهت المعنى على ما
أثبتّه هنا.
وهذه أبيات من قصيدة سلطان بن مظفر بن يحيى من
الزواودة أحد بطون رياح وأهل الرئاسة فيهم قالها
في معتقله بالمهدية في سجن الأمير أبي زكريا بن
أبي حفص أول ملوك أفريقية من الموحدين يحن فيها
إلى قومه ويتوجد على رؤيتهم. والقصيدة تذكرنا
بقصيدة راكان بن حثلين، شيخ قبيلة العجمان، التي
قالها وهو في سجن الأتراك ومطلعها: أنا اخيل
ياحمزه سنا نوض بارق. (وقد صححت كلمة "يفينا" في
الشطر الثاني من البيت الثامن واستبدلت بها كلمة
"بغين"، والغين هي حدائق النخل الظليلة):
وكم من رداحٍ أسهرتني ولم أرى
// من الخلق أبهى من نظام ابتسامها
وكم غيرها من كاعبٍ مرجحنّه //
مطرّزة الأجفان باهي وشامها
أرى في الفلا بالعين أظعان
عزوتي // ورمحي على كتفي وسيري أمامها
بجرعا عتاق النوق من فوق شامس
// أحب بلاد الله عندي حشامها
إلى منزلٍ بالجعفريات للّوى //
مقيمٍ بها، ما الذ عندي مقامها!
ونلفي سراةٍ من هلال بن عامر
// يزيل الصدا والغل عني سلامها
بهم تضرب الأمثال شرقٍ ومغرب
// إذا قاتلوا قومٍ سريع انهزامها
عليهم ومن هو في حماهم تحيه //
مدى الدهر ما غنّى بغينٍ حمامها
فدع ذا ولا تأسف على ماضيٍ مضى
// فذى الدنيا ما دامت لحيٍ دوامها
وإضافة إلى هذه القصائد التي ذكرها ابن خلدون في
مقدمته والتي لا نشك في نسبتها ولا في صحة الأحداث
التي تتحدث عنها، يذكر كذلك في بداية الجزء السادس
من تاريخه (1988، ج6: 23-24، 32، 62) تفاصيل عن
بني هلال ويورد لهم مزيدا من الأشعار منها أبيات
في مدح دريد، أحد بطون الأثبج من بني هلال، الذين
يقول عنهم ابن خلدون "وأما دريد فكانوا أعز الأثبج
وأعلاهم كعبا بما كانت الرياسة على الأثبج كلهم
عند دخولهم إلى أفريقية لحسن بن سرحان بن وبرة
إحدى بطونهم." (ابن خلدون 1988،ج6: 32). تقول
الأبيات:
تحن إلى أوطان وبرة ناقتي //
لكن بها جملة دريدٍ جوارها
دريدٍ سراة البدو للجود منقع
// كما كل أرضٍ منقع الما خيارها
وهم عرّبوا لاعراب حتى تعربت
// بطرق المعالي ما بنوا في قصارها
وتركوا البارمين ثنية // وقد
كان ما يقوى المطايا حجارها
إلا أن الأسطورة تتداخل مع التاريخ فيما ذكره ابن
خلدون عن بني هلال من أخبار وأشعار في المقدمة وفي
بداية الجزء السادس من تاريخه. لذلك نجده، إضافة
إلى النماذج الشعرية التي سبقت الإشارة إليها،
يورد في مقدمته وتاريخه نماذج أسطورية تندرج في
أشعار السيرة الهلالية وتدور في فلكها. حينما
نتفحص القصائد التي وردت في المقدمة مثلا نجد ابن
خلدون يقدم الأولى بقوله "فمن أشعارهم على لسان
الشريف بن هاشم يبكي الجازية بنت سرحان . . ."
والثانية بقوله "ومن قولهم في رثاء أمير زناتة أبي
سعدى . . ." والثالثة بقوله "ومن قولهم على لسان
الشريف بن هاشم . . ." والرابعة بقوله "ومن قولهم
في ذكر رحلتهم إلى الغرب . . .". أي أن الشريف لم
يقل القصيدتين المنسوبتين إليه وإنما قالها الرواة
على لسانه وأن قائليها وقائلي القصيدتين الأخريتين
غير معروفين ولا يمكن تحديد الفترة التي قيلت فيها
هذه القصائد. وفي استخدام ابن خلدون لعبارة "ومن
قولهم على لسان" في تقديمه لبعض القصائد المنسوبة
إلى شخصيات هلالية قديمة تنصل من نسبة هذه القصائد
وإيحاء قوي بأنها قصائد منحولة قالها المتأخرون
منهم وغالبيتها مما يدخل ضمن دائرة السيرة
الهلالية. من هذه القصائد مرثية الزناتي خليفة
والقصيدتان المنسوبتان إلى الشريف شكر بن هاشم. خذ
مثلا هذه الأبيات من قصيدة الشريف شكر:
ونادى المنادي بالرحيل وشدوا
// وعرّج عاريها على مستعيرها
وشد لها الادهم ذياب بن غانم
// على يد مقرّب ولد ماضي أميرها
وقال لهم حسن بن سرحان غرّبوا
// وسوقوا النجوع ان كان انا هو غفيرها
أو هذين البيتين من مرثية الزناتي:
أيالهف كبدي على الزناتي خليفه
// قد كان لاعقاب الجياد سليل
قتيل فتى الهيجا ذياب بن غانم
// جراحه كأفواه المزاد تسيل
ومما يقوي الافتراض بأن السيرة الهلالية كانت منذ
ذلك الوقت قد أخذت في التبلور قول ابن خلدون:
ولهؤلاء الهلاليين في الحكاية عن دخولهم إلى
أفريقية طرق في الخبر غريبة: يزعمون أن الشريف بن
هاشم كان صاحب الحجاز ويسمونه شكر بن أبي الفتوح،
وأنه أصهر إلى الحسن بن سرحان في أخته الجازية
فأنكحه إياها، وولدت منه ولداً اسمه محمد. وأنه
حدث بينهم وبين الشريف مغاضبة وفتنة، وأجمعوا
الرحلة عن نجد إلى أفريقية. وتحيلوا عليه في
استرجاع هذه الجازية فطلبته في زيارة أبويها
فأزارها إياهم، وخرج بها إلى حللهم فارتحلوا به
وبها. وكتموا رحلتها عنه وموهوا عليه بأنهم
يباكرون به للصيد والقنص ويروحون به إلى بيوتهم
بعد بنائها فلم يشعر بالرحلة إلى أن فارق موضع
ملكه، وصار إلى حيث لا يملك أمرها عليهم ففارقوه،
فرجع إلى مكانه من مكة وبين جوانحه من حبها داء
دخيل، وأنها من بعد ذلك كلفت به مثل كلفه إلى أن
ماتت من حبه.
ويتناقلون من أخبارها في ذلك ما يعفي عن خبر قيس
وكُثَير ويروون كثيراً من أشعارها محكمة المباني
متفقة الأطراف، وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع،
لم يفقد فيها من البلاغة شيء وإنما أخلوا فيها
بالإعراب فقط، ولا مدخل له في البلاغة كما قررناه
لك في الكتاب الأول من كتابنا هذا. إلا أن الخاصة
من أهل العلم بالمدن يزهدون في روايتها ويستنكفون
عنها لما فيها من خلل الإعراب، ويحسبون أن الإعراب
هو أصل البلاغة وليس كذلك. وفي هذه الأشعار كثير
أدخلته الصنعة وفقدت فيه صحة الرواية فلذلك لا
يوثق به، ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بآياتهم
ووقائعهم مع زناتة وحروبهم، وضبط لأسماء رجالاتهم
وكثير من أحوالهم. لكنا لا نثق بروايتها. وربما
يشعر البصير بالبلاغة بالمصنوع منها ويتهمه، وهذا
قصارى الأمر فيه. وهم متفقون على الخبر عن حال هذه
الجازية والشريف خلفاً عن سلف، وجيلاً عن جيل،
ويكاد القادح فيها والمستريب في أمرها أن يرمى
عندهم بالجنون والخلل المفرط لتواترها بينهم. (ابن
خلدون 1988، ج6: 25-26).
ولا تخلو القصائد الهلالية التي أوردها ابن خلدون
من بعض الظواهر اللهجية التي كانت قد بدأت تميز
لغتها عن لغة الشعر النبطي منذ ذلك الوقت. ففي
البيتين التاليين من قصيدة قيلت على لسان الشريف
ابن هاشم نلاحظ في البيت الأول ورود كلمة "نحنا"
بدلا من "حنّا" أو ما يقابلها بلهجة أهل الجزيرة،
وفي الكلمة الأخيرة من البيت تلحق الشين في نهاية
الفعل المسبوق بأداة النفي "ما". وفي البيت الثاني
نجد الفعل "نصدفوا" بدلا من "نصدف"؛ إضافة إلى
ظواهر لهجية أخرى مما يتميز به كلام أهل المغرب
العربي ويقوم دليلا على أن هذه الأبيات منحولة على
الشريف الذي يفترض أنه من الحجاز ولهجته حجازية:
تبدّى ماضي الجبّار وقال لي //
أَشَكِر ما نحنا عليك رضاش
نِحِن غدينا نصدفوا ما قْضي
لنا // كما صادفت طعم الزباد طشاش
ولنا أن نتساءل عن حقيقة العلاقة اللغوية والأدبية
بين هذه المقطوعات الهلالية وبين بدايات الشعر
النبطي، إذ ليس هنالك ما يشير ولو من بعيد إلى أن
عرب الجزيرة على علم بها ولا نعلم أنه كانت هناك
وسائل اتصال مباشر بين بدو المشرق وبدو المغرب وما
ينتج عن ذلك من عمليات التثاقف والاحتكاك. لكن هذا
لا ينفي وجود الشبه بين المقطوعات الشعرية
الهلالية التي أوردها ابن خلدون وبين شعر بادية
الجزيرة العربية في ذلك الوقت. لو تمعنا في أقدم
النماذج التي وصلتنا من الشعر النبطي وقارناها
بنماذج الشعر الهلالي التي أوردها ابن خلدون
لوجدنا تشابها ملحوظا في اللغة ونظام القوافي
والعروض ولوجدنا أنها كلها قيلت على البحر المشتق
من الطويل والذي يسميه أهل نجد الهلالي، وهذه
التسمية يطلقونها على كل ما هو قديم موغل في القدم
(كانت نظرة أهل نجد المتأخرين إلى بني هلال لا
تختلف عن نظرة العرب القدماء إلى قوم عاد).
إلا أن هذا التشابه في نظري لا يعني أن الشعر
الهلالي الذي ورد في مقدمة ابن خلدون هو الأصل
الذي نشأ منه الشعر النبطي لكنه يعني أنهما فرعان
انحدرا من أصل واحد هو الشعر العربي الفصيح،
وأنهما سارا في بداية نشأتهما وتطورهما في طريقين
متقاربين متوازيين ثم بدآ يتباعدان شيئا فشيئا من
حيث اللغة والشكل والوظائف والمضامين حتى افترقا
ليتحول أحدهما فيما بعد إلى ما نسميه الآن الشعر
النبطي. أما الفرع الآخر الذي ترعرع بين بني هلال
في المغرب العربي فإنه انقسم بدوره إلى شعر قصصي
يمثل بدايات السيرة الهلالية، وشعر ذاتي تاريخي
يمثل البذرة التي نبت منها شعر الملحون الذي
ابتعدت لغته كثيرا عن لغة الشعر النبطي.
ومع التسليم بهذه النتيجة فإنه مازال بإمكاننا
الاستفادة من تفحص الشعر الهلالي القديم الذي
أورده ابن خلدون في تلمس بدايات الشعر النبطي
والأجواء اللغوية والاجتماعية التي نشأ فيها، وذلك
لقربهما من بعضهما في بداية نشأتهما ولكونهما
انحدرا من أصل واحد. ولا أدل على ذلك من أن ابن
خلدون يدمج قصيدة قالتها بدوية من بادية الشام مع
قصائد بدو شمال أفريقيا، وكأن هذه القصائد برمتها
تنتمي إلى إرث شعري واحد. ويسوق ابن خلدون ملاحظات
شكلية تنطبق على الشعر الهلالي بنفس المصداقية
التي تنطبق بها على الشعر النبطي، مثل قوله "فأما
العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من
مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأغاريض
على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه
بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من
النسيب والمدح والرثاء والهجاء ويستطردون في
الخروج من فن إلى فن في الكلام وربما هجموا على
المقصود لأول كلامهم. وأكثر ابتدائهم في قصائدهم
باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون." (ابن خلدون 1988،
ج1: 805-806). والقصائد التي جاءت في المقدمة تؤكد
على دقة ملاحظات ابن خلدون وعلى مدى التشابه بين
الأشعار الهلالية والأشعار النبطية القديمة، مع
فوارق في اللهجة لا تخفى على عين البصير باللغة.
ومن أوجه الشبه البارزة بين شعر بني هلال في
المغرب والنماذج القديمة من الشعر النبطي أن ذكر
الديار مربوط بذكر الخيل والنعم والحسناوات اللاتي
كان الشاعر يسامرهن ويتلهى بمداعبتهن، كما في
قصيدة علي بن عمر بن إبراهيم من رؤساء بني عامر
وقصيدة سلطان بن مظفر بن يحيى من الزواودة. وهذا
موضوع تقليدي يكثر الشعراء النبطيون من طرقه، ونجد
الكثير من الأمثلة عليه فيما سنقدمه من مختارات
شعرية كما في الأبيات 17-46 من قصيدة عرار بن
شهوان آل ضيغم وكما في الأبيات 22-24 من دالية أبي
حمزة العامري وكما في الأبيات 9-12 من القصيدة
الذهبية التي قالها عامر السمين في مدح شريف مكة
بركات بن محمد وكما في الأبيات 8-12 من لامية
الشعيبي في مدح الشريف بركات المشعشعي.
ولكن ماذا عن الأشعار التي تدخل في فلك السيرة وما
علاقتها بالمقطعات التي كانت متدوالة تداولا شفهيا
بين أبناء الجزيرة العربية حتى عهد قريب وينسبونها
إلى بني هلال؟ ما هي علاقة هذه المقطعات الشفهية
بما أورده ابن خلدون وهل يمكن الاعتماد عليها
كنماذج تمثل بدايات الشعر النبطي ومرحلة الانتقال
من النسق الفصيح إلى النسق العامي في لغة شعر
البادية في الجزيرة العربية؟
ما أورده ابن خلدون من أشعار السيرة الهلالية
يشكل النواة التي نشأت منها هذه الملحمة العربية
التي أصبحت رواياتها فيما بعد تتداخل على امتداد
الوطن العربي كله، بما في ذلك الجزيرة العربية.
قصة الجازية مع الشريف شكر التي ذكرها ابن خلدون
في الجزء السادس من تاريخه لا تزال قيد التداول
الشفهي عندنا في نجد. الزناتي خليفة وذياب بن غانم
وحسن بن سرحان لا تزال أسماءهم تتردد على ألسنة
الرواة في مختلف أنحاء الجزيرة العربية. ومع ذلك
تبقى القصائد الهلالية المتداولة في نجد شيئاً
مختلفاً عما سجله ابن خلدون، مثلما تختلف روايات
السيرة الهلالية من بلد عربي إلى بلد عربي آخر.
والمقطعات الهلالية المتداولة في نجد، شأنها شأن
ما شاكلها من أشعار الضياغم وما يدور في فلكها من
صنف أشعار شايع الأمسح وغيره، لا يصح الاعتماد
عليها في تأريخ بدايات الشعر النبطي وتتبع مراحل
نموه وتطوره وذلك نظرا لطبيعتها الشفهية
والأسطورية. الأشعار التي وصلتنا عن طريق الرواية
الشفهية فقط لا يمكن الاعتماد عليها كأساس قوي
لتأريخ الشعر النبطي، خصوصا إذا كانت هذه الأشعار
مما تبدو عليه المسحة الأسطورية أو الروائية.
وكلما كان الشاعر موغلا في القدم وكلما أحكم النسج
الأسطوري حول شخصيته ازداد شكنا في صحة نسبة
أشعاره وفي قيمتها كمصدر للبحث في نشأة الشعر
النبطي ومراحل تطوره اللغوية والفنية. وحتى لو
سلمنا بصحة نسبة قصيدة قديمة إلى قائلها المزعوم
فإن عدم ثباتها لفظيا عن طريق الرواية الشفهية
يجعلنا في شك وحذر من الاعتماد عليها كنموذج يمثل
الواقع اللغوي والأدبي للعصر الذي يفترض أنها قيلت
فيه. ومما يقوي شكنا في نسبة بعض الأشعار النبطية
إلى القدماء أننا نجد أبياتا تروى باللهجة العامية
وتنسب إلى شخصيات من العصر الجاهلي مثل كليب
والمهلهل وجساس وعنترة! وقد جمعت بنفسي الكثير من
هذه الأشعار من الراوية سعود بن جلعود من أهالي
سميرا قرب حايل.
هذا يقودنا إلى مسألة مهمة تتعلق بقيمة النص كشاهد
تاريخي ولغوي على عصره. إذا كان قائل القصيدة
شخصاً حقيقياً له وجود تاريخي ووصلتنا القصيدة عن
طريق الثبت الكتابي أو التسجيل الصوتي بالشكل
اللغوي الذي قيلت فيه أصلا، دون أن ينالها أي
تحريف أو تغيير، فإنه لا أحد يشك في قيمتها كشاهد
لغوي وتاريخي. أما إذا لم تدون القصيدة واعتمدت في
وجودها وتداولها على الرواية الشفهية فإنها تصبح
عرضة للتحريف والتغيير اللغوي وتعدد الروايات
والاختلاف في نسبتها إلى قائلها. وكلما ابتعدت
القصيدة زمنيا ومكانيا عن قائلها الأصلي تراكمت
التغيرات التي تطرأ عليها وأصبح تحقيقها وردها إلى
أصلها أمرا متعذرا، مما يضع ظلالا من الشك حول
قيمتها كشاهد لغوي وتاريخي.
أما إذا نحل الرواة، لسبب أو لآخر، قصيدة ونسبوها
لشخصية حقيقية لها وجود تاريخي فإنه لا يعتد بهذه
القصيدة من الناحية التاريخية، إلا إذا أردنا أن
نبحث في البواعث والظروف السياسية والاجتماعية
الداعية إلى نحلها. كما أن القصيدة المنحولة لا
تصلح كشاهد لغوي على لغة عصر قائلها المزعوم لكنها
قد تصح كشاهد على لغة العصر الذي نحلت فيه، والتي
قد تختلف عن لغة القائل المزعوم بحسب قربها أو
بعدها زمانيا عن عصره. أي أن النحل يفقد النص
قيمته التاريخية لكنه مع ذلك يبقى شاهدا يمثل
الواقع اللغوي والأدبي للعصر الذي نحل فيه.
فالقصائد التي يرويها العامة عندنا في نجد حتى عهد
قريب وينسبونها إلى المهلهل وكليب وجساس لا علاقة
لها إطلاقا من الناحية اللغوية (ولا التاريخية)
بهذه الشخصيات وإنما هي نماذج من لغة العصر الذي
نحلت فيه، أو بالأحرى لغة العصر الذي تم فيه
تدوينها أو تسجيلها صوتيا، والتي قد تختلف عن
اللغة التي تم فيها الانتحال أصلا. فمن الممكن
مثلا أن تعيش شخصية في الجاهلية مثل عنترة بن شداد
وبعد تفشي العاميات يقول الرواة والقصاصون
الشعبيون أشعارا على لسان عنترة باللهجة العامية
ويتداول الناس هذه الأشعار ويتوارثونها عن طريق
الرواية الشفهية لعدة قرون وتتعرض جراء ذلك
لتغيرات لغوية تنأى بها عن الأصل المنحول، ثم يأتي
بعد ذلك من يدونها برواية العصر الذي تم فيه
التدوين ولغته التي تختلف عن لغة الرواة الأقدمين
الذين نحلوها أصلا والتي هي بدورها تختلف عن اللغة
التي كان يتكلم بها قائلها المزعوم عنترة وينظم
بها شعره.
هذه الاحترازات العلمية تفرض علينا التريث في قبول
ما ينشر في بعض المصادر المطبوعة على أنه نماذج من
الشعر النبطي القديم، خصوصا في حالة عدم نص الجامع
على مصادره التي استقى منها هذه النماذج، أو في
حالة كون هذه المصادر مصادر شفهية أو حتى مصادر
خطية نسخت في أوقات متأخرة. ومن الأمثلة على ذلك
الأبيات التي نسبها الفرج لعليا حبيبة أبي زيد
الهلالي من قصيدة أرسلتها إليه وهو في المغرب
يقاتل البربر وأولها: ياركب ياللي من عقيلٍ
تقلّلَوا// على ضمّر شروى الحنايا نحايل. لا يمكن
الاعتماد على هذه الأبيات التي وصلتنا عن طريق
الرواية الشفهية وقبولها على أنها قيلت في القرن
السابع الهجري كما يقول الفرج (1971، ج1: ح-ط).
ولنفس السبب لا يصح الاعتماد على الأبيات المنسوبة
لأم عرار التي أوردها ابن عقيل ليمثل بها على شعر
نهاية القرن الثامن وبداية التاسع. وهذا ينطبق على
جميع الأشعار المنسوبة إلى الضياغم والتي تتخلل
أسطورة رحيلهم إلى شمال نجد. (ابن عقيل 1402:
61-65). وفي كتابه القيم عن الخلاوي نجد أن ابن
خميس يغفل الحديث عن تسلسل المصادر التي استقى
منها شعر الخلاوي، بعبارة أخرى الإسناد، سواء
أكانت هذه المصادر تحريرية أم شفهية، منذ وقت
الخلاوي حتى يومنا هذا. ويدور نقاش ممتع بينه وبين
ابن عقيل عن ممدوح الخلاوي منيع ابن سالم، من هو
ومتى عاش، أي أن حتى عصر الخلاوي لم يتحدد بعد.
ومثال آخر القصيدة التي نسبها عبدالله بن خالد
الحاتم في الجزء الأول من مجموعه خيار ما يلتقط
من الشعر النبط لعرار ابن شهوان آل ضيغم الذي
قال عنه إنه من الشعراء الأقدمين عاش سنة 850.
لكننا في ريبة تاريخية من أمر عرار بن شهوان هذا؛
وهل استقى الحاتم القصيدة من مصدر خطي وما هو
تاريخ هذا المصدر؟ لعلها استنسخت من مصادر شفهية
في وقت متأخر مثل ما استنسخت قصائد بني هلال
والقصائد الأخرى المتعلقة برحلة الضياغم
الأسطورية. ولا أدري على ماذا اعتمد الحاتم في
تحديده لزمن هذه القصيدة حيث أن المصادر الخطية
التي اطلعت عليها تورد القصيدة دون أن تحدد لها
تاريخا. وسوف يتضح لنا في مواقع عدة من فصول
كتابنا هذا أن الحاتم قليل التثبت وكثير الأخطاء.
ولعل ابن عقيل (1402: 61-65) تسرع في قبوله لهذه
القصيدة واعتبارها نموذجا للشعر النبطي في القرن
التاسع الهجري إذ لا يقوم على ذلك دليل يطمئن له
الخاطر. ومما يزيد في شكنا في قصيدة عرار أن لغتها
أقرب إلى عاميتنا وإلى لغة الشعر النبطي في عصوره
المتأخرة منها إلى لغة شعراء النبط الأقدمين من
أمثال أبي حمزة العامري وشعراء الدولة الجبرية.
وها نحن نورد القصيدة هنا ليقارن القارئ لغتها
بلغة أشعار القرن الثامن والقرن التاسع الهجريين
والتي سنوردها في الفصول اللاحقة:
01) يقول عرارٍ قول من ضل
موقِف // على الدار يذري بالدموع الذرايف
02) قليل الجدا من دمنةٍ دمّها
الهوى // مزاعيج هوج الذاريات العواصف
03) لكني بها ما ريت خيمٍ
ظلايل // واموال من مال العوادي قرايف
04) وبيضٍ عماهيجٍ يشادن للمها
// لطاف المثاني محصناتٍ عفايف
05) ترى ان كان يالعين البكا
يدني العما // فانا منك ياعيني مريبٍ وخايف
06) وقامت تهل الدمع من شد ما
بها // ولا نيب من ذولا وذولاك شايف
07) فلا واعلا لولا التمني
سماجه // أوقّف بنجدٍ آمنٍ غير خايف
08) والقى عميرٍ بالعذيبات
موقف // على شلشلٍ يسقي جمالٍ شرايف
09) شرايف بدوٍ ليس من حضر
قريه // ولا من دعابيل الحجاز الزعايف
10) شرايف ما يركبهن إلا غشمشم
// ولا يفترشن الا جديد القطايف
11) فقلت ضحى عزل النيا شط
لامنا // وشفت الذي قلبي للقياه عايف
12) سرى بارقٍ يابو ربيعه لكنه
// من البعد الى اوما بالثياب الرهايف
13) أقمنا زمانٍ ثم جانا زفيره
// يدربى الحصا من عاليات المشارف
14) يجذّب عشاش الطير من
مستكنّها // يفرّق طربات الحمام الولايف
15) وجانا يدربي القصر قصر آل
ضيغم // وإلى القصر عن ضلعين حدبا شظايف
16) لعل وادى العرض ما دبّْه
الحيا // ولا بِنّيَت فيه الخيام النوايف
17) غدى بالصبايا والسبايا
وبالقنا // وبالدرق الحوتي وزين الكلايف
18) غدى ببناتٍ من بْنِي آل
ضيغم // رهاف الثنايا مدمجات العكايف
19) ثريّا وريّا والرباب وزينب
// يِقِدن الهوى قود المهار العسايف
20) ومنهن سعدى أسعد الله
نوّها // مساعفه لي بالهوى ما تخالف
21) ومنهن بنت الدوسري قصيرنا
// لكن على أنيابها الشب دايف
22) ومنهن بنتٍ للشريف محمد //
دعت محمل الجمّال غادٍ سعايف
23) تنوض إلى ناضت بردفٍ لكنه
// نقاً من طعوس الشعثميات نايف
24) ومنهن بنت القوس بيضا
عفيفه // لجا حبها بين الضلوع النحايف
25) ومنهن ميٍّ مير ميٍّ صغيره
// تبوج الهوى بوج الثياب الرهايف
26) ومنهن بنت العم مهضومة
الحشا // تاخذ عزا مشتاقها بالطرايف
27) صفا حبهن لي بالهوى مثلما
صفا // زلال ببطحاً عقب لتح المغارف
28) عْذاب النبا نجلات الاعيان
يقدنني // كما قيد للمسنى بكارٍ عسايف
29) إلى ما سرى القنّاص من عقب
هجعه // لقاهنّ صرعى في مثاني القطايف
30) لهن على اللبات جعدٍ لكنها
// عثاكيل تسقى من براكٍ ذرايف
31) إلى هبت الريح الضعيفه
تلبّدت // ثياب الرهيمي للوسوط الرهايف
32) لها اقدام رضعانٍ وأعناق
جفّل // واوراك مبرورات قبٍّ عسايف
33) كبار جما الاوراك إن مالن
ميله // على محملٍ تغدي لياحه شظايف
34) يصيدن ولا ينصادن الا
لنادر // يداري على غرّاتهن الكشايف
35) يعفن الذي عودٍ وقد ترّك
الصبا // ويحيين بالهيجا رجالٍ غطارف
36) فياطول ما جاذبن ملوى
عمامتي // وياطول ما جاذبتهن الغدايف
37) وياطول ما علّلْتهن وقلن
لي // جدا السد منا آمنٍ غير خايف
38) جليلات ألفاظ الكلام وجلبن
// خدودٍ أسيلاتٍ كما ورد قاطف
39) لهن عبير الزعفران ولو غلى
// نقوطٍ لِشَمّ آنافهن الرهايف
40) إلى ما أردن ان يِعِلْقن
لاعج الهوى // طلين بقان الزعفران المراشف
41) ندز المطايا صوبهن تِعمّد
// ولو هن من الاوزا رذايا تلايف
42) ونيات بتنهيض الصدور تواعب
// من السير طيحا ناحلاتٍ عجايف
43) إلى ملعبٍ منهن دانى لملعب
// وسن التداني بينهن النصايف
44) تشادي اهتزاز الغصن وان
هبت الصبا // إلى ملعب الماروث مني ترايف
45) فذا مربط الدهما وذا مركز
القنا // وذا ملعب الخفرات سود الغدايف
46) وملاعبٍ بالدمث بالرمث
بالغضا ردايف // بالارطا بالانقا بالزبار الردايف
47) فمن عاش بالدنيا بحالٍ صفت
له // يشوف بها مثل الذي كنت شايف
48) غدى صرفها بجموع قومي
وخلتي // وشبّان قومٍ مِشِرْعين المضايف
49) نسدي ونمضي من غوالي
فيودهم // سوى حاظرينٍ او سوى بالتنايف
50) نطا كفّة الحبال عمدٍ
وغيرنا // من الناس حذرٍ ما يطا بالكفايف
51) فالى ساعفت وانا وسيفي
وسابحي // ومظوفرٍ عود البلنزا شظايف
52) عادت يميني بالسخا ما
تردّني // ولا قدّمت للوارث إلا الحسايف
53) ولا من تلا آيات القرآن
وفضلها // مع العلم تقراه الثقات العوارف
54) بأعلق مما علّقن من ضعاين
// وزلفٍ ونيّات البوادي زوالف
55) فكفٍّ كفى الدنيا إلى عاد
خيرها // فراش الثرا من عقب لين اللحايف
أعلي
أبو حمزة العامري
لا نجد في قصائد أبي حمزة ما يشير بشكل قاطع وواضح
إلى زمنه أو يحدد موطنه أو قبيلته أو يلقي أي ضوء
على شخصيته التي نجهلها تماما. إلا أنه يرد في أحد
قصائده اسم كبش بن منصور بن جماز الذي يحتمل أنه
كبيش بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن
مهنا الشريف الحسيني الذي ولي إمارة المدينة
المنورة سنة 725هـ حتى مقتله سنة 728هـ، أي قبل
ولادة ابن خلدون. ( بدر 1414، ج2: 247-257،
السخاوي 1400، ج3: 426-425، العسقلاني د. ت. ج2:
223-224، ج3: 262).
ولا تورد المصادر المطبوعة والمخطوطة المتداولة
إلا قصيدتين من قصائد أبي حمزة هما الهمزية وهي
على بحر الرجز واللامية وهي على بحر البسيط. إلا
أنني وجدت له في مخطوطة وجدتها في حوزة الزميل
عبدالرحمن بن عبدالمحسن الذكير، إضافة إلى
القصيدتين المذكورتين، خمس قصائد إضافية لم أعثر
على أي ذكر لها في أي مكان آخر، وكلها على بحر
الرجز. وقد أفدت من مخطوطة الذكير في التعرف على
اسم أبي حمزة الذي تقول المخطوطة إنه شفيع، وهذا
أيضا هو اسمه عند سليمان الدخيل الذي لا يورد له
إلا الهمزية. والقصائد التي وجدتها في مخطوطة
الذكير بالغة الأهمية، خصوصا وأن واحدة منها قيلت
في مدح الشريف كبش بن منصور بن جماز، كما قلنا.
ورغم البحث الجاد لم أعثر في المصادر المتاحة على
أي ذكر لأي شخص يحمل الاسم الثلاثي كبش بن منصور
بن جماز عدا الشريف المذكور. وكما أشرنا في معرض
الحديث عن مسمى الشعر النبطي، ترد في قصيدة أخرى
من قصائد شفيع أبي حمزة التي لم يسبق نشرها والتي
يتغزل فيها بمعشوقته أميم كلمة نبطي في البيت قبل
الأخير للإشارة لهذا الشعر الذي نتحدث عنه. إذا
صحت هذه القرائن التاريخية وصح أن كبيش بن منصور
بن جماز، شريف المدينة الذي قتل عام 728هـ، أي قبل
ولادة ابن خلدون، هو الذي عاصره أبو حمزة العامري
ومدحه فإن هذا يعني أن الشعر النبطي كان شائعا منذ
القرن السابع، وربما قبل ذلك، وأن كلمة نبطي كاسم
يطلق على هذا الشعر كانت مستخدمة منذ ذلك الوقت.
وربما يؤيد هذا ما نلاحظه على القصائد التي تنسب
لأبي حمزة من مسحة الفصاحة التي تفوق ما نجده في
قصائد شعراء الدولة الجبرية، مما يعني قرب عهده من
عصر الفصاحة، كما أن أشعاره كلها على بحري البسيط
والرجز، وهما من البحور المشهورة في الشعر الفصيح.
ومن البديهي أن قصائد أبي حمزة، وكذلك القصائد
التي أوردها ابن خلدون، قيلت وفق نماذج أخرى سابقة
ترسخت فيها العامية. من هذه المعطيات نستطيع أن
ندفع ببدايات الشعر النبطي إلى الوراء حتى القرن
السابع أو ربما قبل ذلك، أي إلى زمن العيونيين، إن
لم يكن زمن هجرة الهلاليين من نجد. وسبق أن ألمحنا
إلى أن نسبة ابن خلدون هذا الشعر إلى القيسيين
ربما قام دليلا على وجوده منذ زمن العيونيين الذين
ينتسبون إلى القيسية.
ويوحي مضمون بعض القصائد التي قالها أبو حمزة
مفتخرا بنفسه ومعتدا بشجاعته واستقامة خلقه أنه
كان مقدما في قومه وفارسا من فرسانهم المعدودين،
إن لم يكن زعيما من زعمائهم، وهذا ما تقوله عنه
الرواية الشعبية. وتنسب الرواية الشعبية أبا حمزة
إلى قبيلة سبيع لإلحاق نسبة العامري إلى اسمه. لكن
قبيلة سبيع تكوين حديث نسبيا وربما أنها لم تظهر
على مسرح التاريخ وتشتهر إلا بعد عصر أبي حمزة.
ومعروف أن قبائل بني عامر ابن صعصعة كانت لهم
الهيمنة على الجزيرة العربية منذ قرون طويلة تعود
إلى أيام بني هلال ثم قيام دولة الجبريين في
الأحساء وحتى إلى ما بعد ذلك. وهناك الكثير من
الأعلام في تاريخنا القديم الذين يلحق بأسمائهم
نسبة العامري وهناك الكثير من الفروع القبلية التي
تلتحق بهذا الأصل وتنتسب إليه ولا يصح نسبتها
جميعا إلى سبيع. هل يجوز لنا مثلا نسبة ليلى
العامرية، معشوقة قيس، إلى سبيع؟ وأنا هنا لا أنفي
نسبة أبي حمزة إلى سبيع لكنني فقط أردت التنبيه
إلى أن إلحاق نسبة العامري إلى اسمه ليست سببا
كافيا ولا تصح أساسا لإدخاله في قبيلة سبيع.
ويتناقل الرواة عن أبي حمزة حكاية هي ألصق بأحاديث
السمر وعالم الأساطير منها بالتاريخ. تقول الحكاية
إن أبا حمزة لما تزوج عشيقته أميمة شغل بها عن
أمور القبيلة وقيادة رجالها في الغزوات. فذهبوا
إلى والدته لتبحث لهم عن مخرج. فما كان منها إلا
أن رمت زوجة إبنها بالبهتان واتهمتها بالباطل في
عرضها لتصرفه عنها. فلما سمع أبو حمزة التهمة من
والدته نكص إلى زوجته وطلب منها الاستعداد للرحيل
والذهاب لزيارة أهلها. فأردفها معه على جمله شمردل
وهام في البراري أياما وليالي متظاهرا بالبحث عن
قبيلة الزوجة. وكان في حيرة من أمره فحبه لها
يمنعه من قتلها لكنه لا يستطيع هضم ما سمعه من أمه
عن زوجته. ولما تيقن أن التعب أعياها وأنها لو
نامت فلن تفيق بسهولة، أناخ الجمل وفرش لها
لتستريح. ولكنها من فزعها في تلك القفار الموحشة
لم تستطع النوم حتى وضع أبو حمزة "طرف ردنه"، أي
نهاية كمه الطويل، تحت رأسها ليطمئنها ويشعرها
بالأمان. ولما غطت في نومها العميق سل أبو حمزة
خنجره وقص ردن ثوبه فخلص نفسه وانسل عائدا إلى
أهله وتركها لوحدها. ولما رجع إلى الحي حزن على
أميمة ودهمته الأمراض وساءت حاله. ومضى عليه عام
كامل وهو على هذه الحال وأحس بنو عمه بفقده أكثر
من قبل. فذهبوا مرة أخرى لأمه ليتدبروا معها هذا
الوضع. وهنا صاحت الأم مرة ثانية ولما تجمع الناس
حولها قالت: أقسم لكم بالله العظيم أنه لم يطأ
الأرض أطهر من زوجة ابني وأنها أطهر من حمام الحرم
لكنني ابتليتها واتهمتها لأصرفه عنها نزولا عند
رغبتكم وحتى يتركها وينصرف لكم. ولما سمع أبو حمزة
كلام أمه قام وطلب شربة ماء وسأل عن جمله فأحضروه
له وامتطاه وذهب إلى المكان الذي ترك فيه أميمة
ليبحث عنها عله يجدها أو يجد عظامها فيدفنها. ولما
لم يجد لها أثرا هناك تزيا بزي الخلاوي وتظاهر
بأنه من الخلاوية الذين يصيدون الظباء ويجرّون
الربابة ويخدمون في بيوت شيوخ العرب. وصار يتنقل
على هذه الهيئة من حي إلى حي عله يجد أميمة أو
يعثر لها على خبر.
أما أميمة فإنه لما أضحى الضحى واحتمت الشمس صحت
من نومها ولما لم تجد زوجها ورأت طرف ردنه المقطوع
أحست بالريبة. ونهضت ومشت متتبعة مجاري السيول حتى
وصلت إلى شجرة عظيمة تحتها غدير ماء زلال وفي
فرعها عش نسر كبير. فأقامت على الشجرة تنام في عش
النسر وتشرب من ماء الغدير وتأكل من كلأ الأرض.
أثناء ذلك مر بالمكان قطن بن قطن في أحد مغازيه.
ولما أناخ راحلته رأى صورة وجه الفتاة في الغدير،
وكانت في غاية الحسن والجمال. وحدس قطن بذكاءه
المعهود أن وراء الأمر سرا، لكنه أيضا بشهامته
المعهودة وأريحيته التي يضرب بها المثل أراد أن
يستر على الفتاة ويحاول أن يعرف سرها دون أن يفتضح
أمرها أمام قومه. لذلك نهض مسرعا وقال لقومه: هيا
بنا فلنواصل المسير، لا مقام لنا هنا. ولما قطعوا
مسافة طويلة تظاهر الأمير قطن أمام قومه أنه نسي
حاجة له عند الغدير وأنه مضطر للعودة، لكنه أصر
على العودة وحده وأنه لا داعي أن يعود معه أحد
وطلب من قومه مواصلة المسير. ولما وصل المكان صاح:
يامن على الشجرة، إن كنت إنسيا فلتنزل ولك مني
أغلظ الأيمان أنني لن أمسك بسوء وإن كنت شيطانا
فإنني أعوذ بالله منك ومن شرك. فطلبت منه المرأة
أن يعطيها الأمان وأن يضعها في وجهه حتى تنزل.
ففعل ونزلت. ولما سألها عن شأنها قالت: لا تلح علي
بالسؤال وتسبب لي الإحراج فقد أعطيتني الأمان لكن
كل ما أطلبه منك أن توصلني إلى أقرب حي من أحياء
العرب. فاصطحبها قطن معه إلى أهله وأقامت معهم
مكرمة معززة. وفي هذه الجزئية تتقاطع حكاية أميمة
مع حكاية بنت ابن غافل الزعبية كما توردها في
قصيدتها التي وجهتها إلى إبنها سبّاع وتقول فيها:
انا فتاة الحي بنت ابن غافل //
وكم من فتاةٍ غرّ فيها قعودها
شرشوح ذودٍ ضاربٍ له خريمه //
ما ودّك يشوفه بعينه حسودها
حوّلت من نضوي تعلّيت سرحه //
حطّيت لي عشٍّ بعالي فنودها
وجاني ركيبٍ نوّخوا في ذراها
// وشافن عقيد القوم زيزوم قودها
قال انزلي يابنت وانتي بوجهي
// ولا جيته الا واثقه من عهودها
أمرٍ كتبه الله صار وتكوّن //
وسبّب علَيّ من الاعادي قرودها
وفي تطوافه بين الأحياء صدف أن حط أبو حمزة في هذا
الحي الذي توجد فيه أميمة ونزل ضيفا عند قطن نفسه.
وكانت سمعة أبي حمزة وشهرته كفارس وشاعر معروفة
عند كل الناس بما فيهم قطن بن قطن الذي يسمع به
لكنه لا يعرفه شخصيا. ولما عرف قطن أن هذا الخلاوي
الذي استضافه راوية وعازف ربابة سأله إذا ما كان
يعرف شيئا من قصائد أبي حمزة وطلب منه أن يغنيها
له. ولما سمعت أميمة صوت أبي حمزة يغني على
الربابة، وكانت تجلس غير بعيد منه، عرفته وذرفت
دمعتها. ولما انتهى من الغناء قال لقطن على مسمع
من أميمة، التي تأكد لديه الآن أنها سمعته وتعرفت
على صوته وفهمت مغزى أشعاره: لقد أنخت بعيري
الأجرب هناك (مشيرا بيده إلى حيث أناخ الجمل لتعرف
أميمة مكانه) أرجو أن لا تقترب إبلكم منه حتى لا
يعديها. وفهمت أميمة الرمز ولما أظلم الليل ذهبت
لتجد أبا حمزة في انتظارها حسب الخطة وركبا الجمل
وعادا إلى ديارهما.
ومن المؤسف أن قصائد أبي حمزة التي ترد في مخطوطة
الذكير مطموسة في بعض الأجزاء مما يستحيل معه
قراءة المطموس وفهم معناه. وحتى في الأجزاء التي
يمكن قراءتها نجد أنفسنا أحيانا أمام عدم وضوح في
المعنى وخلل في نسق الأبيات وترتيبها. ولو وجدت
هذه القصائد في مخطوطات أخرى إضافة إلى مخطوطة
الذكير فلربما استطعنا عن طريق التحقيق والتدقيق
والمقارنة والتمحيص الخروج بقراءة أفضل وفهم أدق
للقصائد. وسوف نورد هذه القصائد على علاتها حرصا
منا على استقصاء مجمل إنتاج أبي حمزة الشعري
وتقديمه للباحثين، على أمل أن تكون هذه مجرد
محاولة أولى تتلوها محاولات أخرى من قبل المهتمين
بجمع وتحقيق شعر أبي حمزة وغيره من رواد الشعر
النبطي.
تأتي أهمية قصائد أبي حمزة في كونها أقدم ما وصلنا
من نماذج شعرية يمكن إدراجها تحت مسمى الشعر
النبطي، وهي لذلك تمثل بدايات هذا الموروث الشعري،
إن لم تكن تمثل مرحلة الانتقال اللغوي من الفصحى
إلى العامية. وسيتبين لنا من خلال المقارنات
الأدبية التي سنوردها أدناه أن هذه القصائد ترتبط
ارتباطا عضويا قويا مع شعر الحقب الفصيحة من حيث
المضامين، إلا أننا مع ذلك لا يمكننا اعتبارها من
الناحية اللغوية إلا أنها قصائد نبطية. فنحن لا
نجدها إلا في مخطوطات الشعر النبطي التي لا تحتوي
عادة على أي شعر فصيح. وأبو حمزة نفسه في أحد
قصائده يصف القصيدة بأنها قصيدة نبطية. وحينما
نسلط مجهر التحليل اللغوي على هذه القصائد نجدها
تحتل موقعا وسطا ما بين الفصحى والعامية في صيغها
الصرفية وتراكيبها الاشتقاقية وقواعدها النحوية.
صحيح أننا نجد في شعره بعض الكلمات التي يلزم
نطقها نطقا فصيحا ليستقيم الوزن العروضي للبيت،
وقد يمتد ذلك ليشمل أكثر من كلمة، وربما امتد
ليشمل المصراع كله، بل حتى البيت بكامله؛ لكن هذا
ينطبق أيضا على النطق العامي الذي بدونه يختل
الوزن في الأبيات الأخرى. ومن الواضح أن التشكيل
في شعر أبي حمزة وظيفته إيقاعية وليست نحوية.
الوظائف النحوية التي كانت لحركات الإعراب تلاشت
ولم يبق إلا الوظيفة الإيقاعية. أي أننا نضيف
التشكيل إلى بعض الكلمات وننطقها نطقا متفاصحا
لإقامة الوزن لا غير، دون تحميل هذه الحركات أي
دلالة نحوية. الحركة هنا ليست حركة إعراب وإنما هي
مجرد حركة مقابل ساكن، أي حركة تنتقل خلالها عضلات
النطق من ساكن إلى ساكن. وليس النطق والتشكيل هما
المقياس الوحيد الذي نحكم به على فصاحة القصيدة أو
عاميتها. حينما ندقق في القاموس اللغوي لقصائد أبي
حمزة نجد أنها مثلما تحتوي على مفردات فصيحة
اندثرت واختفت من الشعر النبطي في حقبه المتأخرة
فإنها تحتوي على مفردات عامية لا وجود لها في
معاجم الفصحى.
ونبدأ بإيراد قصيدة أبي حمزة التي مدح فيها الشريف
كبش بن منصور بن جماز والتي يبلغ مجموع أبياتها
ستة وستين بيتا. تبدأ القصيدة بالحديث عن طيف
الخيال. وكعادة شعراء النبط القدامى وتفننهم في
حسن التخلص من المقدمات التقليدية إلى غرض القصيدة
الأصلي، والذي غالبا ما يكون المدح، يدور حوار بين
أبي حمزة وزوجته التي تبدي قلقها عليه لعلمها
بالأهوال التي سيخوضها والمخاطر التي سيتعرض لها
على أمل عطاء ربما يجيء وربما لا يجيء. ويتخذ أبو
حمزة من ذلك مدخلا لمدح الشريف وذلك بطمأنة زوجته
والتأكيد لها بأن الممدوح في القصيدة شخص لا يجارى
في كرمه وشهامته وأريحيته وفروسيته. هذا المشهد
الوداعي بين الشاعر وزوجته سيمر بنا مرة أخرى في
قصيدة العليمي النونية بوصل الألف التي يمدح بها
قطن بن قطن. كما يذكرنا المشهد بقصيدة أبي نواس
التي قالها في مدح الخصيب أمير مصر ومنها:
تقول التي من بيتها خف محملي
// عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للفتى متطلب //
بلى، إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر //
جرت فجرى في جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلة //
إلى بلد فيه الخصيب أمير
ويسارع أبو حمزة إلى تبرئة نفسه من تهمة الاستجداء
والوفود على الملوك لنيل عطائهم. وتصدر هذه
التبرئة على لسان زوجته التي تخاطبه قائلة "لا أنت
زوّار ولا متحيّـل" فيجيبها مؤكدا أنه ذاهب إلى
الشريف لأن الشريف كتب له يتودده ويطلب منه الوفود
إليه. نعم يتعفف أبو حمزة عن الاستجداء لكنه لا
يجد غضاضة في شرح حاجته وقلة ذات يده كما في البيت
الواحد والأربعين. فهو لا يجد ما يسد به رمقه إلا
الماء بينما غيره يملك أذواد الإبل وينعم بألبان
النوق الأبكار. هذا الشرح لا يرد على لسانه هو،
فشيمته وعزة نفسه تأبيان ذلك، لكنه يضعه على لسان
زوجته، ومن عادة النساء التشكي وكشف العورات التي
يحرص الرجال العقلاء على سترها والصبر عليها. ثم
يجتهد أبو حمزة في تطييب خاطر أميمة ويمنيها
بمقابلته للشريف. ويقول عن نفسه إن المال لا يقر
في يده لكرمه وبذله للمعروف، مثله مثل الجبل الأشم
الذي لا يقر فيه ماء المطر بل يسيل منه ليستقر في
مهابط الأرض مثلما يستقر المال في أيدي البخلاء.
وهذا المعنى أخذه أبو حمزة من قول أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى
// فالسيل حرب للمكان العالي
ويؤكد أبو حمزة في قصيدته أنه ليس معدماً وفقره
ليس مدقعاً وإن كانت كفه اليوم فارغة فسيأتي اليوم
الذي تمتلئ فيه مثلما يمتلئ الدلو بالماء بعدما
كان فارغا. ثم ينتقل إلى مدح الشريف مؤكدا أنه
حالما تبرك ركائبه لديه فإنه سوف يطرد عنه الحاجة
ويمحو الفقر ويهديه النوق الأبكار التي هو في أمس
الحاجة إليها. ومنذ عصر الجاهلية حتى زمن ليس
بالبعيد كانت الإبل من أنفس الأشياء التي يمكن أن
يهديها الممدوح للشاعر جزاء له على مدحه. ولهجة
أبي حمزة في هذه الأبيات تذكرنا بمقطع من قصيدة
قالها جرير يمدح عبدالملك بن مروان يقول فيها:
تعزت أم حرزة ثم قالت // رأيت
الموردين ذوي لقاح
تعلل وهي ساغبة بنيها //
بأنفاس من الشم القراح
سأمتاح البحور فجنبيني // أداة
اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريك // ومن
عند الخليفة بالنجاح
أغثني يافداك أبي وأمي // بسيب
منك إنك ذو ارتياح
فإني قد رأيت علي حقا //
زيارتي الخليفة وامتداحي
سأشكر إن رددت علي ريشي //
وأثبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا //
وأندى العالمين بطون راح
أو قوله من قصيدة يمدح بها عبدالعزيز بن مروان:
أغثني وأصحابي بضامنة القرى //
كأن بأحقيها مقيرة وُفْر
ويمدح أبو حمزة الشريف قائلا إن علامات النجابة
والسيادة والمروءة كانت بادية على محياه وواضحة في
سلوكه وتصرفاته مذ كان صبيا لم يبلغ الحلم. وفي
البيت السابع والخمسين يؤكد الشاعر على نفاسة
قصيدته. وهو في هذا لا يختلف عن جرير حينما يقول
مخاطبا يزيد بن عبدالملك:
خليفة الله إني قد جعلت لكم //
غرا سوابق من نسجي وتحبيري
ثم يؤكد أبو حمزة مرة أخرى على أنه لا يسترفد ولا
يستجدي وإنما جاء فقط للسلام على الشريف والتشرف
بمقابلته، ولكن حتى لو فرض أنه وفد مسترفدا فإنه
ليس أول من يفعل ذلك فما أكثر من يفدون على الشريف
لنيل عطائه لأنه ليس من العيب الوفود على الملوك.
ولعل كلمة "مرجل" في البيت الرابع والستين فرضتها
القافية بديلا لكلمة "مرجف" التي تشير إلى
المرجفين ممن حاولوا أن يثبطوا عزيمته ويثنوه عن
تصميمه على زيارة الشريف مشككين في أنه سيحظى
بمقابلة الشريف ونيل عطائه.
ولو تفحصنا لغة هذه القصيدة لوجدنا أن كلمة "تطمل"
في البيت الثالث والخمسين مثلا كلمة عامية مغرقة
في عاميتها وهي مشتقة من الطمالة، أي الوساخة؛
ويصفون الشخص الوسخ الرث بأنه "طَمْلٍ
طَـنْـبِـلي". واستخدام الشاعر لهذه الكلمة
العامية المغرقة في عاميتها ملفت للنظر، علما بأن
الجو اللغوي العام للقصيدة أقرب إلى الجو الفصيح.
وكلمة "الزمّـل" أيضا في البيت الخامس والخمسين
كلمة عامية تعني الخائفين، ويقال عن الشخص المتهيب
أو الخائف إنه "زَمِل" والفعل "يزمل". وعبارة "حاش
المروه" في البيت الواحد والخمسين عبارة عامية.
ومن مظاهر العامية أيضا استخدام كلمات مثل "إلى"
بدلا من "إذا"، و"حنا" بدلا من "نحن"، و"لقاه"
بدلا من "لقاءه"، واستخدام كلمة "خلاف" في البيت
قبل الأخير بمعناها العامي "بَـعْـدُ".
ومع ذلك تبقى في شعر أبي حمزة بعض مظاهر الفصاحة
على مستوى المفردات والصيغ والتراكيب مما لا نجده
في شعر شعراء النبط المتأخرين. من الكلمات الفصيحة
التي لم تعد مستخدمة في اللهجة العامية كلمة
"بعدما" والتي يقابلها في العامية "عقبما"، وكلمة
"بعث" في البيت الثامن والثلاثين والتي يقابلها في
العامية "دز" أو "كز" أو "أرسل"، وكلمة "رويدك" في
البيت الثاني والأربعين والتي يقابلها في العامية
"على هونك"، وكلمة "حديث" في نفس البيت والتي
يقابلها في العامية "حكي" أو "كلام" أو "هرج" التي
ترد بصيغة الجمع "هروج" في البيت الثاني. والكلمة
الفصيحة "تشيح" في البيت الثامن تقابلها في
العامية "تصد" وكلمة "عتب" في البيت السابع عشر
تقابلها في العامية "شرهه". وصيغة الاستفهام "ماذا
تريد" في البيت السادس والثلاثين فصيحة يقابلها في
العامية "وش تبي". ونلاحظ أنه وإن كانت بعض
المفردات فصيحة إلا أن إسنادها إلى ضمير الجمع
المؤنث يأتي بالصيغة العامية التي تدمج غير العاقل
مع العاقل ولذلك تقابلنا صيغا مثل "عرايكهن" في
البيت الخمسين بدلا من "عرايكها". والعرائك هي
الأسنمة والتي تعتبر المقياس الحقيقي لجهد البعير
ومخزونه من الطاقة حيث أن البعير الذي ذهب سنامه
مثل المركبة التي نفذ مخزون وقودها. وهذه من
الكلمات التي ترد كثيرا وبنفس التوظيف الفني عند
شعراء المدح الأقدمين مثل جرير والفرزدق والأخطل
وذي الرمة وغيرهم.
01) زار الخليل خليل قاصى
المنزلِِ // يحدى إلى خفق السماك الأعزلِ
02) متهودجٍ زين الهروج وقد
هوى // ريف الضمير وحلّ ربعٍ مختَلي
03) واحلوها من زورةٍ لو أنها
// الى انجلى صبح الدجى ما تنجلي
04) فابديت صبرٍ واشتكيت لمن
غدى // يطفي لضاي وكل ما شا يفعل
05) بادرت شوقي بالتحيه بعدما
// لي بان من وجهه صباحٍ أكمل
06) متدللٍ تيهٍ علَيّ جماله
// فضلٍ ولا بالحب ظني يبخل
07) يانافلٍ بالزين كل مدلل //
لم يخط سهمك مقتلي المقبل
08) أشقيتني عمدٍ بغير جنيّة
// فإلى متى عني تشيح وتبخل
09) ارفق بمفجوعٍ تركت ضميره
// يغلي من الليعات غلي المرجل
10) قبّلْتني بيدا صدودك حافي
// لا حاذيٍ فيها ولا متنعل
11) نهضت بالشكوى عليك معرّض
// من بعد ما حزّيت راس المفصل
12) فاسأل إلهي حين ما بك لي
بلى // بمحبةٍ أن يبتليك المبتلي
13) ما هوب واجب أن يهان
مكرّمٍ // بعد الصداقة في هواك موجّل
14) عاديت من يهوى هواك ولا
ولت // يمناه لَمّا شاف حكمك ميّل
15) فان كان مرضيك الصدود
فإنني // راضي وحكمك شفت ما به تعدل
16) وراع العقوبه ثم ياعين
الملا // توقّ من هو كاليتيم الأرمل
17) كم ذا جرى عتبي عليك ولم
يكن // عتبك علينا بالزمان مجمّل
18) فينا ترى لين الكلام محرّم
// والصد والهجران منك محلل
19) كتب المحبه والغلى مني لك
// عين ومن ذا بالجفا قد كتب لي
20) لو بان بك صرف النيا أو
بان بي // نوٍّ وانا عن داركم في معزل
21) ودايعه محفوظةٍ واسرارها
// من دونها بالقلب بابٍ مقفل
22) ما ظنتي يحتال أو يشقى بها
// حيٍّ ولا لطف اللسان يحق لي
23) حلوٍ والذ من الشراب على
الظما // وامر طعمٍ من نقيع الحنظل
24) هش اللقا عسر القضا متعذر
// بالعسر مني بالديون وهو ملي
25) لَمّن جمعت له القريض
محاول // باغٍ لعله لي يلين ويسهل
26) مجازاة قوله ما انت إلا
شاعر // والا فما تسمح بحبة خردل
27) هجرتها عامين ثم لقيتني //
خشنٍ ولا لي بالمطوعه يعمل
28) ونهضت عنه ولا نهضت بطايل
// والقلب مني بالمغيضه ممتلي
29) ازعل عليه ولا ألاوي دونه
// واصد عنه وْوِدّ وجهي يقبل
30) وانا نويت السير ثم ادنيت
لي // حمرا من الهوج الهجان البزّل
31) بالقرية العليا قد اضحى
شملنا // . . . . . . . . . . . . . . . .
32) من شوف خلٍّ هل دمعه
بالبكا // وافضى بدمع العين ماها قد ولي
33) يهل منها كنها مكحولةٍ //
بالشب أو مكحولةٍ بقرنفل
34) جزعٍ وتهيامٍ على شوقٍ لها
// والحب يبلى به بعيد الاطول
35) تقول لي خدني أميمٍ بعدما
// شافت سواي مسيرة المترحل
36) ماذا تريد ومن تكون تزوره
// لا أنت زوّارٍ ولا متحيّل
37) قلت الشريف ابن الشريف
أزوره // ابن المطهرة البتول ابن الولي
38) بعث الكتاب وقال في عنوانه
// حنا لغيرك بالتحيه نبخل
39) بعيدين قالت والفراق
مغيضها // منها ولا لي عن لقاه تحول
40) تقول لي ذاك النهار ودمعها
// من جوب عينيها يفيض ويمتلي
41) أنتم غبوقكم القراح وغيركم
// يعل من البان البكار وينهل
42) فكففتها لما سمعت حديثها
// قاسي وقلت لها رويدك اعقلي
43) لا تكرهي عدم الكريم من
الملا // فالسيل حربٌ للمكان المعتلي
44) يهفى عن الرعن الطويل
بمايه // ويقر بالغمض الوطي الأسفل
45) وان كان قل اليوم ما ملكت
يدي // فالدلو أحيانا يفيض ويمتلي
46) وتيقني اني وكل ذخيرةٍ //
ما نذخر الا للزمان المعضل
47) ذخرٍ الى بركت إليه ركائبي
// لم أشتكي عدم البكار الجفّل
48) الفاطمي الهاشمي ومن له //
شرفٌ أناف على السماك الأعزل
49) فأنخن من جو ا . . . . .
ظمر // يرقلن إرقال النعام الجفّل
50) أفنى عرايكهن تطاويح السرى
// عليه من بعد السلام تحمّل
51) كبش بن منصور بن جمّازٍ
ومن // حاش المروّه قبل عقله يكمل
52) ذروة قريشٍ كلها وخْيارها
// واسقامها الصعب الذي ما ذلل
53) مثل النجوم نقيّةٌ أعراضهم
// ومنزّهاتٍ عن عيوبٍ تطمل
54) الثابتين إذا القلوب
تراجفت // اللاكزين على عريض الجحفل
55) المصطلين من الحروب لهيبها
// ساعة يفر عن الحروب الزمّل
56) فمن يجاورهم يجاور سادة //
أمن المخيف إذا بهم لم يجهل
57) ياكبش جيت بدرّةٍ مصيونةٍ
// عن من سواك بها نشح ونبخل
58) ما قلتها يابن الشريف
تحيّل // في مالكم لو كان صعبه يسهل
59) الا لعرفك لي من اكبر
مطمعٍ // وتنظّري في وجهك المتهلل
60) قلايصٍ ودّنّنيك حقايق //
أن يرتعنّ مع النعام الجفّل
61) يعفين عن شد الرحيل جزًا
لما // بَلّغْنَنيك مع السعود